قراءات النقد وقراءة التلقي

السبت 2017/09/30

لفت نظري الأكاديمي التونسي الطيب بن رجب في مقالة له بعنوان “أبو القاسم الشابي.. الصورة الشعرية وكيفية تشكلها” إلى سؤال يتعلق بقراءات النقد وهل تلعب دورا في تلقي النص الإبداعي، حيث قال: لقد تناول الشابي على ما أحصى أبوالقاسم كرو، أكثر من خمسين كتابا، ناهيك عن الدراسات الأكاديمية التي جدّت، بعد إحصاء كرو، وعن المقالات التي نشرت هنا وهناك، في الدوريات العربية وغير العربية.

إذ طالما توقفت عند القراءات النقدية التي تناولت شعر الشابي، في كثرتها وتواصلها، وتعدد مناهجها، ومعها الدراسات السيرية التي لم تترك شاذة ولا فاذة من سيرته إلاّ وتناولتها، سواء قرأتها أو لم أقرأها، مكتفيا بعنواناتها.

لقد أتيح لي في مرحلة جد مبكرة من تجربتي في القراءة، أن أطلع على ديوان الشابي، وفي تلك المرحلة أيضا، قرأت بعض ما كتب عنه وعن شعره، وحفظت أيامذاك أبياتا ومقاطع من قصائده.

وكنت قبل هذه المرحلة، قد توقفت عند بعض قصائده في ما يتاح لي أن أطلع عليه من الدوريات العربية، وبخاصة في مجلة الرسالة، إنْ أسعفتني الذاكرة، وربما أتيح لي بين الحين والحين، أنْ أستذكر أبياتا من شعره أو أقرأ قصيدة من قصائده، يستشهد بها أحد دارسيه في ما يكتب عنه.

وما أريد قوله هنا، هل الآراء التي قرأتها في ما كتب عن شعره وعن سيرته، قد أثّرت بهذا القدر أو ذاك، على قراءاتي الأولى وما تركت عندي تلك القراءات من انطباعات؟

وسأجيب على هذا السؤال بالقول: إن تأثيرها، إنْ كان لها ثمة تأثير، يكاد يكون عابرا، إذْ تبقى الانطباعات الأولى راسخة من جهة، وتتفاعل مع المستجدات من جهة ثانية، وعلى هذا الصعيد كانت قراءتي الأولى للسياب، بل لقد اكتشفته بنفسي من دون أي مؤثر نقدي، بل من دون أن يلفت أحد نظري إلى شعره.

إذْ كنت في مرحلة الصبا، حين قرأت إحدى قصائده في مجلة أسبوعية كانت تصدر في بغداد، فانفتحتُ من خلالها على جديد الشعر، وقبله كنت قد اكتشفت الشاعر محمود حسن إسماعيل، فبهرتني لغته الساحرة، ولم أكن قد سمعت باسمه قبل ذلك.

وحين أقرأ الدراسات النقدية التي تتناول شعر السياب مثلا، فإن متعتي الذهنية بها والجمالية لا ترتبط تماما بالمتعة الذهنية والجمالية التي أعرفها خلال قراءة نص السياب الشعري.

وربما كان عبدالوهاب البياتي من أكثر الشعراء المعاصرين الذين استأثرت تجاربهم الشعرية بالقراءات النقدية، ومع هذا لم تكن هذه القراءات ذات أثر حاسم في التأثير على قراءة نصه الشعري، فالموقف من شعر البياتي، سلبا أو إيجابا، يكون من خلال نصه الشعري وليس من خلال القراءات النقدية.

وما أراه بشأن تجربة البياتي الشعرية، يمكن أن يكون أيضا، في تجارب شعرية أخرى، معاصرة أو قديمة، عربية أو أجنبية.

إن المتنبي مثلا، لم تتوقف يوما القراءات النقدية في شعره وفي سيرته، منذ أكثر من ألف عام، من قبل نقاد جادين أو متطفلين على النقد، غير أن شعره هو الذي ظل أكثر حضورا من كل ما قيل عنه وعن شعره، وكذلك هو شكسبير، حيث استمرت المقولات النقدية به وبنصه في آن واحد، تتوالى عبر الأعوام والسنين، ثم دخل عليها النص الدرامي بمتخيلاته التي لا حدود لها، لكن يبقى النص الشكسبيري، الدرامي والشعري، ما يمثل شكسبير.

لذا يمكن القول إن القراءات النقدية، هي إبداع فكري وجمالي، يقترب من النص الإبداعي، يحاوره، وقد يكتشف بعض ما فيه، ويلفت إليه الأنظار، ولا يضيف إلى جوهره شيئا.

كاتب عراقي

16