قراءات في كتابات فوكو بين رفّ الكتب

الأحد 2014/07/13
حيث توجد سلطة، توجد مقاومة

◄السلطة والمقاومة


دأب فوكو في آثاره على مساءلة أشكال السلطة والنصوص التي تحددها في مجتمعاتنا المعاصرة، وطرق المراقبة الاجتماعية والإنتاج المعياري للأفراد المنحرفين كالمجانين والمجرمين والفاسقين. في موازاة تحليل حاضرنا وتشخيصه، حرص على إنشاء فكر نقدي يخص الظروف العملية والرهانات السياسية لمقاومة نشيطة ضد السلطة وقوانينها التي تتحكم بها في حياة رعاياها، ملخصا ذلك في قوله “حيث توجد سلطة، توجد مقاومة”. في كتاب “ميشيل فوكو وامتحان السلطة” يناقش جمع من الباحثين تحت إشراف إدوار جولّي وفيليب صابو ذلك التمفصل بين السلطة والمقاومة الذي يقع في صميم الفكر السياسي والمسعى النقدي لدى هذا الفيلسوف ويضعون فكره على محك أفكار كانط وهيدغر ودولوز وآغمبين ونيغري وبتلر ليبينوا أن العلاقات بين السلطة والمقاومة لها رهانات حيوية، ذاتية وعملية، تشكل قاعدة للتعبئة والصراع ضد ما لا يطاق.


◄ تقلبات فوكو


في حياته الخاصة كما في أعماله أو في علاقته بالسياسة، عاش فوكو متقلبا، لا يفتأ يقطع مع نفسه، متنقلا من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد، معبرا عن رفضه للمؤسسة حتى بعد أن انضم إلى الكوليج دو فرانس، وكان يعيد صياغة مؤلفاته في طبعاتها اللاحقة، بل إنه أنكر اعتناقه للبنيوية بعد أن كان يهيم بها مع روادها ودعاتها. كذلك اهتم في شبابه بالماركسية ثم بالليبرالية الجديدة وساند بعض الحركات السياسية قبل أن ينتقدها، بعنف أحيانا. في كتابه “فوكو ضد نفسه” يبيّن فرنسوا كايّا كيف كانت القطيعة محور أعمال فوكو وحياته، من خلال تأملاته في التاريخ، والحركات الشذوذية، والنظرية، والهيمنة، والمؤسسات، والجامعة.. ولا يكتفي بالتعليق عليها على الطريقة الأكاديمية بل ينطلق منها لتصور مسائل نظرية جديدة وسياسات مغايرة للصراع ضد ميكانيزمات الهيمنة.


◄ فوكو ونقد الليبرالية


تعتبر الليبرالية الجديدة في نظر الكثيرين أهم ظاهرة في عصرنا هذا، فهي مفتاح الأزمة الاقتصادية والمالية، وأشكال التسيير الحديثة وحتى “خصخصة العالم”، ولكن من الصعب أن يتبين المرء الكون من خلال هذا المفهوم. فهل الليبرالية الجديدة معناها “دعه يفعل” أو هي دليل على ظهور دولة قوية في خدمة المنافسة؟ هل هي نموذج بالغ الأنانية والفوضوية أم هي نزعة تطبيعية محافظة؟ لفهم ذلك يستعرض سيرج أودييه في كتابه “ليبراليات جديدة أو أركيولوجيا ثقافية” الأفكار النيو ليبرالية منذ ثلاثينات القرن الماضي من ندوة والتر ليبمان عام 1938 إلى قيام شركة “مون بيلران” عام 1947 ليبين كيف أن أزمة الليبرالية منذ الانهيار المالي بوول ستريت أدت إلى مراجعات نظرية تهدف إلى إنقاذ الأفكار الليبرالية، ولكن بعيدا عن أي رؤية خطية تآمرية.

◄ تركة فوكو النقدية

عن المركز الوطني للبحوث العلمية بباريس صدر كتاب عنوانه “تركة نقدية” يتضمن دراسات ومقالات لجملة من الباحثين المتخصصين في تاريخ العلوم والفلسفة تحت إشراف جان فرنسوا بيرت وجيروم لامي، وحاولا تحسس أثر فوكو في نظريات الأدب والسينما والتاريخ الثقافي والاجتماعي ونظريات النوع والتفكير الفلسفي وعلوم التصرف.. والغاية هي استعادة وتحليل فكر يجترح أسئلة مستمدة من حقول أخرى، من علم النفس إلى الاقتصاد، ومن العلوم السياسية إلى الجغرافيا، دون ادعاء انتمائها إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية. ولفهم موقف فوكو، وقع التذكير بالمحاور المنهجية الكبرى التي اعتمدها كعلم الأثريات والمعرفة وطرح الإشكاليات. كما وقعت العودة إلى المفاهيم التي ابتكرها، من دروسه في التاريخ إلى دروسه في الجنس، لوضعها في مواجهة التحاليل الأكثر حداثة في العلوم الاجتماعية ومحاورة كتّاب مثل نوربرت إلياس وميشيل سيرتو وبيير بورديو.

علاقة فوكو بالأدب معقدة، ناقدة، واستراتيجية

◄ علاقة فوكو بالأدب

“الغريبة الكبرى، في ما يتعلق بالأدب” هو الجزء الأول من سلسلة يحاول المؤرخان فيليب أرتيار وجان فرنسوا بيرت أن يجمعا فيها دروس ميشيل فوكو في الكوليج دو فرانس ومحاضراته وتسجيلاته الإذاعية. هذا الجزء يخص علاقة الفيلسوف بالأدب، وهي علاقة معقدة، ناقدة، واستراتيجية، وفيها نكتشف جانبا من مكتبته، مثلما نكتشف قدرته على النفاذ إلى كتب الفحول من شكسبير وثربنتس وديدرو وساد إلى أرتو وميشيل ليريس وتحليل أبعادها ومراميها وجوانب القوة فيها. ويرجع عهد الدروس المدرجة في هذا الجزء إلى الستينات وكان فوكو ألقاها بين صدور مؤلفاته “مولد العيادة”، “أركيولوجيا النظرة الطبية” و”نظام الخطاب”، وكانت الثيمات التي تناولها حتى ذلك الوقت تتلخص في الجنون (موضوع أطروحته عام 1961) والعلوم الإنسانية واللغة والأدب.

◄ أفكار فوكو على المحك

تحتل مسألة الاستعمالات في وجهيها النظري والتطبيقي حيزا هاما في فكر ميشيل فوكو، فهي حاضرة في كافة أعماله. فمن حيث المنهجية يستعمل الفيلسوف الأرشيف لإجلاء الحاضر، ومن حيث الثيمة يتساءل عن الكيفية التي يستعمل بها الأفراد المعايير التي تنظم حياتهم ومجتمعاتهم في ظرف تاريخي ما. وأما من وجهة النظر النقدية، فالأولية التي تمنح للاستعمال تحدد المثقف ليس كحائز معرفة محجوزةٍ كما يحوز المرء ملكية بقوة القانون، بل كمستعمل ومستخدم للمعارف. المساهمات التي جمعها الباحث هرفي أولكهين في كتاب “استعمالات فوكو” تعطي فكرة شاملة عن مختلف السبل التي يمكن استعمالها لاستغلال فكر فوكو كأن نعمق المسائل التي تركها (تمفصل الذهني والسجني، الحوكمة، منظومات الحقيقة، البيو سياسي) أو أن نضع أطروحاته على محكّ حقول أخرى، سبق للعلوم الاجتماعية أن استقصتها.

12