قراءات متباينة حول دوافع تمديد حالة الطوارئ في تونس

الوضع غير المستقر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، إلى جانب إقدام البلاد على الانتخابات المحلية يستدعي اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية لاستباق أي طارئ.
الخميس 2018/03/08
الخطر مازال قائما

تونس - قرر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تمديد حالة الطوارئ لمدة سبعة أشهر إضافية، وذلك في خطوة هي الأولى من نوعها منذ بدء فرض حالة الطوارئ في البلاد في شهر نوفمبر من العام 2015.

ويسمح تمديد الطوارئ للسلطات بحظر تجوّل الأفراد والعربات ومنع الإضرابات العمالية ووضع الأشخاص في الإقامة الجبرية وحظر الاجتماعات، وتفتيش المحلات ليلا ونهارا، ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء.

وأثار هذا القرار غير المسبوق تساؤلات وشكوكا عديدة حول الدوافع الحقيقية الكامنة خلفه، وقلقا متزايدا لدى غالبية المستثمرين الذين ما فتئوا يطالبون بإلغاء حالة الطوارئ لتوجيه رسائل إيجابية إلى المستثمرين والأسواق السياحية والدول المانحة.

 

أثار قرار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي التمديد في حالة الطوارئ تساؤلات المراقبين حول الدوافع الحقيقية الكامنة خلفه، حيث لم يستبعدوا أن يكون بسبب احتدام صراع مراكز القوى في البلاد

ولم يمنع وضوح الأسباب التي دفعت بها الرئاسة التونسية لتبرير هذا القرار، انتقال قلق الفاعلين الاقتصاديين، ليلامس الأوساط السياسية التي أبدت توجسا لافتا، اقترن مع تحذير من مخاطر احتدام صراع مراكز القوى في البلاد، وسط تباين واضح في الآراء والمواقف التي تناولت أبعاده واستهدافاته، وتداعياته.

وأعلنت الرئاسة التونسية في بيان وزعته مساء الثلاثاء أن الباجي قائد السبسي قرر في أعقاب اجتماع لمجلس الأمن القومي، تمديد حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ شهر نوفمبر من العام 2015 لمدة سبعة أشهر إضافية.

وسبق للرئيس السبسي أن أعلن حالة الطوارئ يوم 24 نوفمبر من العام 2015، عندما فجر انتحاري حافلة لنقل أفراد الأمن الرئاسي في شارع محمد الخامس بتونس العاصمة، ما أسفر عن مقتل 12 عنصرا أمنيا وجرح 17 آخرين، إلى جانب مقتل الانتحاري.

وقامت السلطات التونسية بتمديد حالة الطوارئ عدة مرات، كان آخرها في التاسع من فبراير الماضي، وقد حُددت مدتها بشهر واحد، لتكون بذلك هذه المرة الأولى من نوعها التي يتم فيها التمديد لمدة 7 أشهر دفعة واحدة.

وأوضحت الرئاسة التونسية في بيانها أن قرار التمديد يدخل حيز التنفيذ ابتداء من يوم الاثنين القادم، لافتة إلى أن اجتماع مجلس الأمن القومي “خُصص لاستعراض الأوضاع الأمنية داخليا وإقليميا، وآخر الاستعدادات لإنجاح المواعيد والمناسبات الوطنية الكبرى منها الانتخابات البلدية (المحلية)، وتأمين الموسم السياحي الصيفي وشهر رمضان”.

وتابعت في توضيح لأسباب هذا القرار، أنه تم خلال الاجتماع المذكور “التأكيد على أهمية بذل المزيد من الجهود لتأمين المواقع الحيوية لإنتاج الفوسفات، والتسريع بعودة الإنتاج وضمان ديمومته، مع الحرص على اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتطبيق القانون وحماية المصلحة العليا للوطن، مع احترام الحقوق والحريات المضمنة في الدستور”.

وقال الخبير الأمني علي الزرمديني العقيد المتقاعد من الحرس الوطني (الدرك) والمدير المركزي السابق بوزارة الداخلية لـ”العرب” إن هذا القرار منطقي، ويدخل في نطاق الصلاحيات الدستورية للسبسي، وأملته التقييمات العامة للأوضاع، ومدى خطورتها على أمن البلاد.

وينص الفصل الـ80 من الدستور التونسي على أنه يحق لـ”رئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية… منها إعلان حالة الطوارئ بكامل تراب الجمهورية أو بعضه”.

علي الزرمديني: القرار أملته التقييمات العامة للأوضاع، ومدى خطورتها على أمن البلاد
علي الزرمديني: القرار أملته التقييمات العامة للأوضاع، ومدى خطورتها على أمن البلاد

وبحسب علي زرمديني، فإن الرئيس السبسي استخدم صلاحياته الدستورية، باعتبار أن “صورة الوضع على الصعيدين الإقليمي والدولي تعكس جملة من التحديات الكبيرة التي لا تقل خطورة عما تعكسه الصورة على الصعيد الداخلي التونسي”.

واعتبر أن “الوضع العام يتسم بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، كما أن البلاد مُقدمة على استحقاقات هامة، منها الانتخابات المحلية في السادس من مايو المُقبل، الأمر الذي يستدعي اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية لاستباق أي طارئ”.

ورفض في المقابل، ما وصفه بـ”القراءة السياسية” لهذا القرار، قائلا إن “القراءة السياسية لأبعاد قرار تمديد حالة الطوارئ لا ترتبط بالواقع الأمني، لأنها تنطلق من سياقات التجاذبات السياسية والحزبية، وليس من مُجمل التحديات التي تواجهها البلاد”.

غير أن هذا الموقف الذي ينسجم مع ما ذهبت إليه الرئاسة التونسية في بيانها، تواجهه قراءة أخرى، تقول إن الهاجس الرئيس وراء هذا القرار هو الاستعداد لمحاصرة صراع مراكز القوى الذي بدأ يحتدم في البلاد، باعتبار أن لا أحد يستطيع تحمل تبعاته، لا سيما في ظل الأوضاع الراهنة التي تتسم بالهشاشة.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، بدت حدة الخلافات واضحة بين مراكز القوى في البلاد، وسط شعور لدى أغلب المراقبين بأن الصدام بين الإرادات اقترب كثيرا بسبب تراجع دور المؤسسات الدستورية الرئيسة، متمثلة في البرلمان والحكومة، ولم تعد تشكل جزءا من المطبخ السياسي الأعلى في البلاد.

وعلى وقع هذه الخلافات المُتصاعدة، بدت المعادلة الداخلية مُتوترة، بسبب احتدام الصراع بين مراكز القوى داخل مؤسسات الحكم، وتباين وجهات نظرها في العديد من الأحداث، ما استدعى تمديد حالة الطوارئ في خطوة استباقية لاحتواء تداعيات الصراع.

4