قراءات نقدية في المسرح المغربي المعاصر

المخرج المسرحي المغربي عبدالواحد عوزري يكتب في كتابه الجديد "قريبا من الخشبات، بعيدا عنها" عن محطة التيه الواعي نحو المسرح الذي نسمو إليه، ويعرّج على بعض القضايا من خلال تجربة الممارسة المسرحية والحياة وصدفها.
الثلاثاء 2018/07/17
ما سرّ تشبث المغاربة بنماذج مسرحية دون غيرها

الرباط - يكتب المخرج المسرحي المغربي عبدالواحد عوزري، صاحب العرض المسرحي الشهير “أربع ساعات في شاتيلا”، نص جان جينيه، وأداء رفيقة دربه ثريا جبران، في كتابه الجديد “قريبا من الخشبات، بعيدا عنها” عن “محطة التيه الواعي نحو المسرح الذي نسمو إليه”، ويعرّج على بعض القضايا من خلال تجربة الممارسة المسرحية والحياة وصدفها، كما يتوقف عند بعض المكونات الأساسية للعرض المسرحي.

مقالات وشهادات

يشتمل الكتاب على 5 أبواب، الأول بعنوان “قضايا”، ويتضمن 4 مقالات هي “عودة المسرح البلدي بالدار البيضاء من جديد”، “المسرح المغربي والمسرح الإسباني: تاريخ مشترك ينتظر ابتكاره”، “في اللقاء مع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني حول وضع المسرح المغربي”، و”هل هناك فعلا هوية فرنسية صرفة؟”.

 

يشهد المسرح المغربي تناميا ملحوظا جعله يتموقع كواحد من أفضل المسارح العربية، لما له من خصوصيات فنية نحتها ورسّخها جيل من المسرحيين المغاربة، لكن ما كان للمسرح المغربي أن يتطور لولا المواكبة النقدية الحثيثة التي فعّلها جيل من النقاد لا يقل أهمية عن المخرجين والفاعلين المسرحيين الآخرين. ومن هنا، فإن النقد المسرحي ضروري لأي حركة مسرحية تنشد التجديد وتجاوز الهنات والتطوير.

ويحمل الباب الثاني عنوان “قراءات”، ويشمل أربعة مقالات أيضا هي “الشيطان هو الضجر” (قراءة في كتاب المخرج الإنكليزي بيتر برروك)، “الكتابة المسرحية الجديدة بالمغرب”، “كاتارسيس” لمحمد بهجاجي (شهادة لزمن منفجر.. في رحلة المسرح والمرايا)، و”الطيب الصديقي” أو (مكانة صاحب مسرح الناس).

ويقدم عوزري في الباب الثالث من الكتاب عددا من “الشهادات” التي أدلى بها مسرحيون وفاعلون ثقافيون وكتاب مغاربة منها شهادة بعنوان “دام لنا غناء ناس الغيوان”، “لطيفة الجبابدي، امرأة في حجم تطلعاتنا في الماضي.. وفي المستقبل”، “السلام عليك السي الطيب الصديقي مبدعا خالدا”، “متفرج اسمه فرنسوا ميتران”، و”فلسطين التي..”.

أما الباب الرابع فقد اشتمل على 15 مقالا تُعرّف بسائر العروض المسرحية التي أنتجتها فرقة مسرح اليوم وأخرجها عبدالواحد عوزري وأدارتها ومثلتها ثريا جبران، وفيها يوثق عوزري مسار تجربة تركت بصمات حقيقية وراسخة في المشهد المسرحي المغربي والعربي، كتابة وإخراجا وتمثيلا.

الوعي المسرحي

أكد عوزري، في لقاء احتضنه بهو المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط مؤخرا، أنّ “المسرح يبقى مجرد لقاءات قد نعتقد أنها عادية أو أتت بصدفة الأشياء، وقد تكون لقاءات فنية عميقة، مؤثرة في التجربة والمعرفة”، ويضيف عوزري “عند بعض المحطات التي أعتبرها مهمة في مسيرتي في التعليم والحياة في فرنسا احتفظت فيها بالكثير من العبر واللقاءات التي مازلت أعتز بها وتشكل ذخيرتي الإنسانية والمعرفية”.

ومن جهتها قالت ثريا جبران، التي كتبت مقدمة للكتاب بعنوان “أفقنا المشترك”، “إنّ سعادتي تتضاعف اليوم حين أجد نفسي شاهدة على انبثاق كثير من مواد هذا الكتاب التي كُتبت في حضرتي، أو في سياقات قريبة منّي، كان يشاركني فيها عبدالواحد مخاض التفكير والكتابة والقراءة، وإبداء الرأي في كل ما يتعلق بانشغالاتنا الفنّية”.

وأضافت “الكتاب يُعدّ إضافة قيمة للمجهودات الجبارة التي قام بها الباحثون والكتاب المغاربة من أجل تطوير مستوى البحث في الجانب المسرحي”.

واعتبرت جبران أن هذا الكتاب يشكل “تجلّيا آخر للأفق المشترك الذي يجعل الحياة أليفة بيننا، ويمنحنا الصبر والثبات لنواصل تجربة الفن والحياة”، مبرزة أنّه “يشكل تمثلا لأهم المسارات التي كان على المسرح المغربي أن يعبرها، منذ فجر الاستقلال إلى اليوم، حتى يصبح حاملا لهذا الوعي الذي نستمر بفضله كواحد من مبررات وجودنا”.

الكتاب يتمثل أهم المسارات التي كان على المسرح المغربي أن يعبرها، منذ الاستقلال إلى اليوم، حتى يصبح بهذا الوعي
الكتاب يتمثل أهم المسارات التي كان على المسرح المغربي أن يعبرها، منذ الاستقلال إلى اليوم، حتى يصبح بهذا الوعي

وقال الكاتب والناقد المسرحي عبدالإله بنهدار، الذي كتب مقدمة ثانية للكتاب، “إنه يحمل جملتين متضادتين ولكنهما متكاملتين، ليؤكد أنّه قريب من الخشبات لكنّه يتحدث بعيدا عنها، في حديث ذي شجون، يجعل الكاتب في قلب المسرح، سواء أكان على الخشبة أم بعيدا عنها”.

ومن بين النقاط المثيرة في كتاب عوزري يبرز بنهدار، “حديثه عن تشييد المسرح الجديد في الدار البيضاء، الذي يدخل في الجيل الجديد من المسارح المشيدة حديثا في المغرب، لكن يتم هدمه بحجة أنّه آيل للسقوط، لكن هدمه في الحقيقة كان لدواع أمنية، لأنه كان قريبا من القنصلية الفرنسية، وهي معطيات قدّمها الكاتب بشكل غير مباشر، وجاءت مندسّة بين السطور”.

وتحدث بنهدار عن تسليط الكاتب الضوء على “سر تشبث المغاربة بنماذج مسرحية دون غيرها، والاستدلال بالنموذج الفرنسي دون النموذج الإسباني، رغم أنّه الأقرب إلينا وجدانيا”، داعيا خريجي المعاهد المسرحية إلى تحسين هذه الصورة التي كانت مغيبة قديما.

واختم عوزري كتابه بحوار أجراه معه الكاتب والناقد المسرحي محمد بهجاجي حول قضايا قال عنها إنه لم يكن قد تمكن من التعبير أو الجواب عنها بغير مناسبة، “قضايا كثيرا ما تكون قريبة من الخشبة، ومن الممكن أن نعتقد أنها بعيدة عنها. ليست في هذا الحوار أجوبة مطلقة أو أي ادعاء للإجابة عن كل الأسئلة، فأنا بدوري أمارس الكتابة لطرح الأسئلة التي تؤرقني، ولا أجد لها دائما كل الأجوبة”.

14