قراءة الروايات والعاطفة

القرّاء الذين قرأوا الرواية أظهروا تحسنا ملحوظا لجهة التفاعل العاطفي في بعض أجزاء الدماغ، ولا سيّما في القشرة اليسرى المسؤولة عن معالجة اللغة.
الجمعة 2018/09/07
روايات الخيال الأدبي تؤثر وتحفز تنمية التعاطف النمطي لدى البشر ومشاعرهم

هل يصبح البشر عاطفيين عندما يقرأون الروايات الخياليّة؟ وما هو حجم تأثير الخيال على العاطفة وتشذيب المشاعر ورهافتها؟ وهل ثمّة فوائد نفسية وسلوكية لقراءة تلك الروايات غير المتعة والتسلية وأعمال الخيال والاطلاع على تجارب إنسانية معينة؟ هذه الأسئلة وغيرها تدفعنا إلى تأمّل النتائج المستخلصة من الدراسات والأبحاث التي يجريها المختصون بين الحين والآخر لقياس هذا التأثير وأسبابه وآلية اشتغاله، فعلى الرغم من تراجع مبيعات الكتب نسبيا في السنوات الأخيرة، إلا أن الروايات ظلت محتفظة بمركز الصدارة في المبيعات وجذب اهتمام الجمهور.

وبغض النظر عن أسباب هذا الاهتمام، الذي يعزوه الكثيرون إلى خصوصية الروايات وقدرتها على تقديم عوالم بديلة متخيّلة للقرّاء الذين هم بأمسّ الحاجة إلى الانفصال عن واقعهم الصعب، إلّا أن قراءة الروايات، إضافة إلى ما تقدّم من خصوصية، تبقى محتفظة بالعديد من المزايا الأخرى المتعلقة بعمل الدماغ والتأثير على العقل، كما يتضح بشكل متزايد من الأبحاث العلمية التي تعرّف القراءة على أنّها ليست مجرّد محاكاة لتجربة اجتماعية معينة، بل هي تجربة اجتماعية كاملة، يمكن أن تكون بديلا أو تعويضا لما فات الأشخاص من تجارب في حياتهم الواقعية، وتعويضا مهمّا لنقص تلك التجارب في خزينهم النفسي والعاطفي.

 كما يلخص الباحث وعالم الاجتماعيات الأميركي ديفيد كيد، في دراسة عامّة عن الآثار الإيجابية أجراها عدد من الباحثين في جامعة إيموري الأميركية في أتلانتا، على أدمغة مجموعة من القرّاء الخاضعين لاختبار القراءة على مدى تسعة أيّام، قرأ نصفهم رواية “موت إيفان إيليتش” القصيرة لتولستوي، التي تتناول حياة الطبقة الروسية المنسحقة بعد الثورة وتغيّر نمط العلاقات العاطفية لدى الناس، بينما لم يقرأها النصف الآخر.

وأظهرت فحوصات الدماغ أن القرّاء الذين قرأوا الرواية أظهروا تحسنا ملحوظا لجهة التفاعل العاطفي في بعض أجزاء الدماغ، ولا سيّما في القشرة اليسرى المسؤولة عن معالجة اللغة، عزاها العلماء إلى أنّ الدماغ يتخيّل حركات وعواطف وانفعالات الشخصيات أثناء القراءة ويحاول بطريقة غير واعية تشييد عوالم خاصّة بها وتكوين صور تفصيلية عن ملامحها وميولها وطبيعة سلوكها.

ومن المثير للاهتمام، أن هذا التفاعل العاطفي ظل متواصلا حتّى بعد توقف الأشخاص الخاضعين للاختبار عن القراءة. ويتحدث الباحثون عن نشاط ظلّ، يشبه ذاكرة العضلات التي تضمن لنا عدم نسيان بعض الأنشطة الحركية التي نقوم بها لفترة طويلة.

وقد أشارت البحوث السابقة بالفعل إلى أن أولئك الذين يقرأون الكثير من روايات الخيال هم أكثر تعاطفا واندماجا مع أحداث تلك الروايات ويشعرون بأنهم متفاعلون عاطفيا معها، أكثر من هؤلاء الذين يقرأون الكتب غير الخيالية.

لكن لماذا يحدث هذا النوع من الخيال فرقا عند تفسير الإشارات العاطفية؟

يبدو أن الفرق المهم بين روايات الخيال الأدبي والكتب غير الخياليّة هو الحضور الطاغي للشخصيات وتفاعلها العاطفي ومصائرها المتقاطعة بما يؤثر ويحفز تنمية التعاطف النمطي لدى البشر ومشاعرهم.

وحسب “نظرية العقل” فإنّ القدرة على تكوين صورة موازية لشخص ما آخر تُعَدّ مهارة ضرورية وتمرينا على التعاطف. وقد أظهرت الدراسات أن هذه القدرة تتحسن عن طريق قراءة الروايات، ولا سيّما الخيالية منها، بما يضفي نوعا من التهذيب والصقل لقدرة البشر على التعاطف وتنمية قدراتهم الخيالية، وبالتالي العاطفية، بما ينعكس لاحقا على سلوكياتهم في حياتهم اليوميّة العامّة وما يحيط بهم من علاقات متشابكة مع الآخرين، في حين أن مشاهدة التلفزيون مثلا لها تأثير معاكس تماما، إذ يعتقد الكثير من الباحثين أن الأشخاص الذين يشاهدون برامج التلفزيون كثيرا يصبحون أقلّ قدرة على فهم الآخرين وأقلّ عاطفية.

14