قراءة الهوية ومساءلتها

السبت 2015/02/21

يبدو سؤال الهوية شاغلا لا يتوقف، بالنسبة إلى الثقافة العربية. ولكي نقترب منه لا بدّ أن نعترف أولا، بأن الهويّة ليست واقعا ثقافيا أو مجتمعيا ناجزا، وإنما هي قيم جوهرية تتنزّل في واقع متحوّل تتجدّد فيه بفعل فهم الإنسان وإدراكه وديناميته، وقدرته على تخطّي الضّرورات التي تحكمه وتحدّ من مدارات حريته، أو هي قيم جوهرية تكون معرّضة لأن تفقد جوهريتها إن هي جمدت أو ماتت، أو توقّفت عن أن تكون قابلة للتنزيل في واقع الحياة الإنسانية، أو إن كفّ الإنسان عن قراءة رسائل الوجود المحمولة على مكوّناتها إليه، أو إن هو استمرأ العيش في حاضر من الإغراق في الجهل، والرّكون إلى حائط زمن أفقي لا يعرف كيف يجعله حاشدا موّارا بالحياة، أو إن هو تماهى بماض تستحيل استعادته، أو بمستقبل لا يستجيب لصيرورة الحياة في مجتمع ينشئ مستقبله عبر تفعيل صيرورته، لأنّه في واقع الأمر حاضر مجتمع إنسانيّ آخر محكوم بشروط صيرورة مغايرة.

وإذ تماثل الهوية النّواة (أو البذرة) من حيث ممكنات تحوّلهما إلى شجرة أو نبتة، حيث كلاهما جوهر كامن قابل للانخراط في صيرورة دائمة تحوّله، فإنّ الهوية هي ثابت الإنسان وتحوّلاته، أو هي جوهره المجرّد وتجلياته العيانية الممكنة، والمتغايره، والمتحوّلة في سياق صيرورة دائمة.

إنها، إذن، حقيقتنا التي تحتاج جهدنا الإنسانيّ الدّؤوب كي تتجسّد في الوجود عبر طموحنا اللاهب وقدرتنا الخلاّقة على إحالة ذواتنا إحالة موضوعية في العالم. وهي قيمنا الإنسانية السّامية، التي تتوق إلى التنزّل في الحياة العملية عبر وقائع فعلية وأنماط سلوك ومواقف وتصرّفات، وبرامج عمل تؤسّس لحقائق حضارية وثقافية منيرة ومتنوّعة.

وعلى ذلك، فإنّ قراءة الهوية، ومساءلتها، ليست مجرّد عملية تنتمي إلى ترف فكريّ زائد عن الحاجة، وإنما هي نشاط إنسانيّ ضروري ينبغي له أن يكون دؤوبا كي يسهم في تجديد الهوية والارتقاء بها عبر إحسان عملية تنزيل مكوناتها في واقع الحياة الإنسانية: من أنا؟ وكيف صرت على ما أنا عليه؟ ما هي العناصر التي تشكّل هويتي؟ ما ثابتها وما متحوّلها؟ وعلى أيّ محور ثابت تتحرّك تحوّلاتها؟ وكيف يمكن لمنظومة القيم الإنسانية التي تشكّل عناصر ثابتة في هويتي، كإنسان، أن تترجم إلى تصرفات وأفعال وأنماط سلوك تغيّر شروط الواقع القائم فتحملني إلى واقع ممكن يتوسّع فيه مدار حريّتي؟

ومع أنّ الإنسان في حاجة إلى إعمال مخيّلته كي يحلم بهوية يتطلّع أن يكونها، وكي يرسم لنفسه خطة عمل لمستقبل قابل للتحقيق، فإنّه يحتاج إلى استبعاد ذلك عندما يعمد إلى قراءة الهوية ومساءلتها، إذ ليس لأيّ قراءة تحتكم إلى أيّ نمط من أنماط التفكير الرّغائبي، أو الخيالي الجامح، أو السكوني الجامد، إلا أن تأخذ الإنسان بعيدا عن حقيقته كإنسان، وتبعده عن معرفة ذاته معرفة يصحّ أن تُعرَّف بأنها “رأس المعرفة”.

وربما نحتاج إلى قراءة “هويتنا” قراءة متوازنة تدرك قوانين التطور والتغير، وتحلل العلاقات القائمة بين الظواهر المعاصرة والتاريخ والتراث والقيم الإنسانية الرّاسخة المتعالية على الزمان والمكان، وذلك كي نحسن فهم “مفهوم” هذه الهويّة، وكي نؤسّس تحوّلاته الممكنة على تفاعل الحاضر مع عناصر الماضي القابلة للحياة في تجدّدها، ومع آفاق التطوّر الإنساني المفتوح، ومع الحاجة إلى تنزيل القيم التي تسكننا، أو التي نتطلّع إلى حضورها فينا، كوقائع حيّة في الحياة.

ومن الحقّ أنّ معرفة الذّات الفردية والجماعية معرفة عميقة ومتشعّبة تفضي إلى تصفيتهما من الوهم والأيديولوجيا والأخيلة الزائفة والجموح الفارغ والتطرّف المقيت الذي لن يسفر، أيّا كانت طبيعته، عن إنتاج شيء سوى هويّة قاتلة وهالكة في آن معا، إنما هي القاعدة التي يمكن أن يتأسّس عليها الكلام على الهويّة بوصفها قيمة إنسانية وثروة حضارية، وبهذا المعنى، فإنّ الهوية ليست مطلقا يسبح في فضاء بلا هوية، وإنما هي سمة “ذات إنسانية”، فردية أو جماعية، تنصهر في “ذات ثقافية” تقوم على الانفتاح والتعدّد والوحدة، وعلى التّحول الدّائم على محور ثبات، إنها بنية عميقة، وهي منظومة علاقات ثابتة ومتحوّلة يمكن إدراكها من خلال المحور الثابت الذي تتحرّك عليه تحوّلات ترسّخ دلالة أنّ الهوية في تخلّق مستمرّ، وأنّ الذات الإنسانية، الفردية أو الجماعية، لا تجد حضورها إلا بانفتاح أناها على ذوات تتجسّد في آخرين سواها.


ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16