قراءة ثانية لجولة الرئيس برهم صالح

لا أحد ينتظر أن يصلح برهم صالح في أيام خرابا دأبت الأحزاب الدينية الطائفية والهيمنة الإيرانية على إلحاقه بالعلاقات العراقية العربية في سنوات.
الأربعاء 2018/11/21
زيارة أثارت غضب العديد من العراقيين

صعبٌ جدا أن نفرح أو نحزن بجولة الرئيس برهم صالح التي قيل إنه يريد بها إبعاد العراق عن دوامة الصراع الإقليمي بين إيران ودول الجوار العربية، وبينها والولايات المتحدة، قبل أن ينجلي عنها ضبابها.

ولكن من حيث المبدأ لا خلاف مع الرئيس برهم صالح على دعوته لأن يكون العراق ساحة تلاق وتوافق بين دول المنطقة لا ساحة صراع، فهذا هو عز الطلب الذي يريده العراقيون والعرب والعجم لإنهاء حالة الاحتراب التي لم تجلب للعراق ولإيران والمنطقة سوى الخراب.

ورغم أن جولته بدت إيجابية وجريئة وجديدة وتبشر بعودة الهيبة إلى موقع الرئاسة، بعد أن فقدها سنين طويلة إلا أنها تحتاج إلى وقفة متأملة متأنية تزنها بميزان العقل وبالتحليل الواقعي الموضوعي المحايد، لتحديد ما إذا كان برهم صالح يبني قصورا في الهواء وينتظر تقطير العسل من شجر الحنظل والصبير، أو أنه رجل المرحلة التاريخي الذي سيفعل ما لم يستطعه الأوائل بقدرته على إقناع النظام الإيراني بالتخلي عن بعض سلوكه الاحتلالي الاحتكاري للعراق، وتخفيف قبضته الخانقة على الدولة العراقية، والقبول بعودة دول عربية خليجية تعتبرها إيران عدوتها، وذلك لإعانة العراق على كثير من مشاكله، وخاصة في مجال الطاقة والغاز وإعمار المناطق المحررة من تنظيم داعش، وإفساح المجال أمام الشركات الخليجية لتساهم في الاستثمار، وهو ما لا تستطيع إيران تقديمه في ظروفها الحالية المثقلة بأعباء العقوبات الأميركية ومشاكل العملة والبطالة وجفاف الإيرادات.

نعم لقد استُقبل برهم بحرارة واحترام وتقدير بلا حدود من قادة الأردن والكويت والإمارات والسعودية وشعوبها، ولكن تلك الحرارة ليست، في حقيقتها، موجهة لشخص الرئيس العراقي، وتكريما لقدومه، بل هي رسائل مكتوبة بالحبر السري ومرسلة إلى من يهمه الأمر تخيّره بواحد من اثنين؛ إما الجنوح إلى السلم، ونبذ سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى، والكف عن تهريب السلاح والمقاتلين إلى الجماعات الإرهابية في دول الإقليم، أو مواجهة المزيد من العزلة، والمزيد من الاختناق الاقتصادي، والمزيد من الاحتجاجات والاعتصامات التي لا يمكن التنبؤ بتداعياتها المدمرة.

كما أنها رغبة دفينة لدى حكومات تلك الدول وشعوبها في عودة العلاقات التاريخية التي كانت قائمة بينها وبين العراق، بكل ما كان فيها من دفء ومودة وتعاون وتفاهم وتبادل مصالح واحترام كامل للسيادة.

ولكن لا أحد منا ينتظر أن يصلح الرئيس برهم صالح في أيام خرابا دأبت الأحزاب الدينية الطائفية والهيمنة الإيرانية على إلحاقه بالعلاقات العراقية العربية في سنوات.

وتأسيسا على ذلك فلا يمكن أن تعود الدول العربية إلى العراق إلا باستعادة الدولة العراقية عافيتها واستقلالها، وامتلاكها كامل سيادتها على حدودها وثرواتها.

وهذا يعني، دون ريب، خلاصا ولو جزئيا من الهيمنة الكاملة التي يفرضها النظام الإيراني وأذرعه المسلحة على العراق، وهو ما لا يرضى به قادة النظام، وهو بالتالي ما يعقد مهمة أي جهد في هذا الإطار، ويجعلها أشبه بجري وراء سراب، إلا إذا أجبر الوضع الإيراني الحالي المأزوم، الذي تتوقع الدنيا كلها أن يزداد حرجا في الأيام والشهور القادمة، النظام على شرب كأس آخر من السم والرضا بالحمى خوفا من الموت.

نعم لقد أثار الرئيس برهم غضب عراقيين كثيرين واستغرابهم بذهابه إلى طهران ولقاءاته الحميمة مع علي خامنئي وحسن روحاني، ودعوته إلى توسيع التعاون مع إيران في شتى المجالات أكثر من السابق، وتعهده بأن لا يكون العراق جزءا من آلية العقوبات، أو من السياسات المعادية لها.

ولكن إذا كان هدفه من الزيارة، ومن التصريحات المستغربة مجاملةَ القادة الإيرانيين خدمة لمشروعه التصالحي، ولحثهم على قبول المهادنة مع دول الخليج العربية، وربما المصالحة، فهو معذور. أما إذا كان ذلك هو رأيه الثابت وقناعته الراسخة فسوف يكون كمن يهدم كل جسوره مع شعبه، في أول عهده، ويصطف ظهيرا لمحتل، ومدافعا عن ظلم وعدوان وفساد، وموظفا في القصر الجمهوري يؤمر ويطيع.

وأغلب الظن أن الرئيس برهم ليس كذلك، ومؤكد أنه يؤمن، مثل ملايين العراقيين، بأن الوجود الإيراني الاحتلالي هو سبب دمار العراق، وهو الذي أوصله إلى أسفل سافلين.

أليس هو المسؤول الأول عن الفساد المالي والسياسي والإداري في العراق ونقص الخدمات وإفلاس الخزينة وانهيار التربية والتعليم وفقدان الأمن والأمان، وتخريب علاقات الدولة العراقية مع محيطها العربي والإقليمي والدولي، واغتيال العلماء والمثقفين والمفكرين العراقيين، وإغراق الوزارات والمؤسسات والسفارات بالفاشلين ومزوري الشهادات واللصوص، وتكثيف حملات التضليل والتجهيل والتخريف؟

أليست رؤوس الفساد الكبيرة التي يطالب المتظاهرون باجتثاثها هي رؤوس قادة أحزاب وميليشيات تعب النظام الإيراني في حملهم وولادتهم وإرضاعهم، وأنفق المال الوفير والجهد الجهيد على تقوية أنيابهم وأظافرهم، وعلى حمايتهم من أي حساب أو عقاب؟

9