قراءة جديدة لقصيدة "أحمد الزعتر"

الشاعر محمود درويش يبتكر تجاورا متوازنا بين المنحى الغنائي العذب والمنحى الملحمي بين التكثيف الشعري والتفاصيل السردية.
الاثنين 2020/10/19
تأمل الذات وظلالها (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

الأدب الحقيقي المتحرر من الأيديولوجيا والمناسبات والخارج من فرن الوعي الجمالي والفكري لا يبلى مع الزمن ولا يضيع بريقه بالتقادم، هكذا هي قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي تحرر فيها من صفة “شاعر المقاومة” واتجه إلى البعد الإنساني جاعلا من القضية الفلسطينية قضية إنسانية، ومنفتحا على جماليات ترقى بالنص إلى ما هو أبعد من راهنه.

حين أعدت قراءة قصيدة “أحمد الزعتر” لمحمود درويش، بعد مرور أربعة عقود ونيّف على نشرها في ديوانه “أجراس”، وجدتني أحفظ عن ظهر قلب مقاطع عديدة منها، وأرجعتني الذاكرة إلى ربيع العام 1977 لأستحضر الأيام التي كنت فيها أمثّل شخصية أحمد في مسرحية مُعدّة عن القصيدة، وتحمل اسمها نفسه. كان مُعِد المسرحية ومخرجها أنور محمد رمضان واحدا من رواد المسرح المشهورين في مدينتي كركوك، وأنا طالب في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية.

طوال أيام “البروفات” على مسرحية “أحمد الزعتر” كانت صورة درويش لا تفارقني، وهو يلقي قصائد من دواوينه “حبيبتي تنهض من نومها”، و“محاولة رقم 7”، و“تلك صورتها وهذا انتحار العاشق” على حشد كبير من محبي شعره في أحد مسارح بغداد.

قبل أربعين عاما

 كانت تؤرقني تلك الصورة الرمز، وأنا المغرم بصاحبها، وتجعلني أمام مسؤولية كبيرة: كيف أستطيع أن أرتقي بأدائي لشخصية أحمد المركبة، العربي الفلسطيني، المنفي والمقاتل البسيط المنذور للشهادة، الإنسان العادي، والعلامة المحملة بدلالات يصعب على غير الفلسطيني تحسسها على نحو عميق؟

كنت ألجأ إلى بعض أصدقائي الفلسطينيين لأستوضح منهم عن وقع أو إيحاء هذه المفردة والعبارة أو تلك في نفوسهم، وأقرأ قصائد أخرى للشاعر في دواوينه التسعة السابقة لأستوعب معنى “المقاومة” في شعره، لكني كنت أزداد حيرة، ويملؤني الغموض، فتلك القصائد موجهة ضد الاحتلال، وتؤصّل لمقاومته، وللبقاء في الأرض، وتؤسس للهوية الوطنية والقومية في تحد للهوية الصهيونية التي يحاول المحتلون فرضها على الفضاء الفلسطيني، في حين أن قصيدة “أحمد الزعتر” تكشف عن سفالة الأشقاء، وكأنهم أبناء يعقوب، وغدرهم بشقيقهم الرهينة، الفلسطيني المحاصر، والمنسيّ بين فراشتين، وتدعوه إلى الصمود بوجه الردة، ومقاومتها، رغم أنه وحيد أعزل إلاّ من طلقته الأخيرة.

اليوم تتسع الرؤيا أمامي وأنا أقرأ القصيدة، متسلحا بوعي نقدي، واستبصار لمشروع محمود درويش الشعري ببعديه الجمالي والتراجيدي، وإدراك تاريخي لمرجعية القصيدة، أو المذبحة التي خرجت من أهوالها.

يصنّف الناقد صبحي حديدي ديوان “أجراس” ضمن مرحلة البحث الجمالي، وهي المرحلة التي سعى فيها درويش إلى الانعتاق من الصورة النمطية التي رُسمت له، صورة شاعر المقاومة فقط، وتطوير موضوعاته وأدواته ولغته الشعرية على نحو يتفاعل مباشرة مع حركة الحداثة الشعرية العربية، ويغني تيّاراتها. ويرى حديدي أن قصيدة “أحمد الزعتر”، التي يضمها الديوان، ذات طابع تسجيلي كونها ترتبط بوقائع محدّدة في الزمان الفلسطيني.

ثنائية الشاعر والشخصية

إن قصيدة “أحمد الزعتر” تحمل جمالية شعرية حداثية بامتياز مثلما تشكّل قصيدة مقاومة استثنائية بامتياز أيضا.. وتكمن جماليتها في صورها المبهرة التي تقوم على انزياح لغوي تركيبي ودلالي، كما في المقطع الآتي مثلا:

“نازلا من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد

وكانت السنة انفصال البحر عن مدن الرماد”.

أو هذا المقطع:

“فأرى العواصم كلها زبدا…

وأحمد يفرك الساعات في الخندق

لم تأت أغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق”.

كما تتحقق الجمالية في تقنية التداخل والتماهي بين صوت الشاعر وصورة النموذج/ الشخصية، أي أحمد الرمز: الفلسطيني المنسي/ العربي /الكحلي /الكوني /المكرّس للندى/ الخارطة والجسد/ اشتعال العندليب/ البنفسج في قذيفة، وتنمحي ثنائية الأنا والآخر:

“هذا النشيد .. لأحمد المنسيّ بين فراشتين

مضت الغيوم وشرّدتني

ورمت معاطفها الجبال وخبّأتني”.

في هذا المقطع الذي يستهل به درويش القصيدة يشير إلى النموذج الذي سيكرس له النص الشعري أولا، ثم يلتفت فجأة إلى ذاته، مزيحا قناع النموذج.

وأذكر أن المخرج، الذي مثلت معه المسرحية، جسد هذا المقطع بوضع مرآة كبيرة أمامي لأشير إلى نفسي حينما أقول “هذا النشيد.. لأحمد المنسيّ بين فراشتين”، وأبتعد عن المرآة لألقي المونولوج الذي يليه “مضت الغيوم وشرّدتني…”.

وفي مقطع آخر يعكس درويش آلية تبادل الأدوار، فينتقل من البوح الذاتي (بظمير المتكلم) إلى رسم ملامح النموذج كما يراه هو (بظمير المخاطب) ليكشف عن الجوهري فيه:

“كم أمشي إلى حلمي فتسبقني الخناجر

آه من حلمي ومن روما!

جميل أنت في المنفى

قتيل أنت في روما”.

ولا يكتفي درويش بعرض صورة أحمد وتفاصيل مأساته، في سياق التماهي معه، بل يعمد في مقاطع أخرى من القصيدة إلى إعارة رؤيته له حينا، ومنحه وجودا مستقلا عن ذاته (أي عن درويش) حينا آخر تاركا إياه يتحدث بلسانه وصوته (ضمير المتكلم):

“أنا أحمد العربيّ

أنا الرصاص البرتقال الذكريات

وجدت نفسي قرب نفسي

فابتعدت عن الندى والمشهد البحريّ

تل الزعتر الخيمة

وأنا البلاد وقد أتت

وتقمّصتني

وأنا الذهاب المستمرّ إلى البلاد

وجدت نفسي ملء نفسي…”.

لكنه سرعان ما يعود إلى دور الراوي، متخذا “ضمير الغائب” ليضيء معاناة النموذج، ويكشف عن بؤس الواقع العربي، وزيف المدعين، المتاجرين بالقضية الفلسطينية:

“راح أحمد يلتقي بضلوعه ويديه

كان الخطوة – النجمة

ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط كانوا يعدّون الرماح”.

وقد حققت هذه التقنية تنوعا أسلوبيا في البنية التعبيرية للقصيدة، يمكن إدخاله في ما يعرف بالالتفات في حقل البلاغة، وهو تقنية معروفة في الشعر العربي القديم.

تسهم تقنية الالتفات في خلق ما يسميه كمال أبوديب بالفجوة: مسافة التوتر في جسد النص، وتمنح الشاعر حرية كبيرة في “المناورة” الشعرية و“التبئير”، حيث تتعدد زوايا الرؤية الموجهة إلى النموذج، وتكتسب “رؤيا” الشاعر بعدا موضوعيا متماسكا، على نحو ما نجده في بعض النصوص السردية الحديثة التي يجري فيها تبادل المواقع بين “السارد” و“الشخصية” في تحريك عجلة “الحكي”، أو “الفعل السردي”.

يشترك درويش في هذه التقنية مع شعراء عرب آخرين، ونذكر من بينهم الشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي، كما في قصيدته “عن وضاح اليمن والحب والموت”، التي يستخدم فيها الضمائر الثلاثة “الغائب – المتكلّم – المخاطب” منتقلا من صوته هو (الشاعر) إلى “صوت النموذج” على طريقة تبادل الأدوار في المسرح الانعكاسي (الميتا – ثياتر).

من عناصر جمالية القصيدة، أيضا، ذلك التجاور المتوازن الذي يبتكره درويش بين المنحى الغنائي العذب والمنحى الملحمي، بين التكثيف الشعري والتفاصيل السردية. والثنائيات العديدة التي تتخلل النص من بدايته إلى نهايته مثل “اليدان من حجر”، بوصفهما علامة للقوة والصلابة والمقاومة، و“الزعتر”، بوصفه رمزا للحياة والاستمرار والخصوبة، و“البحر” الذي يشير إلى الحرية، ونقيضه “مدن الرماد”، و“الهوية” بوصفها إطارا للخصوصية داخل الوجود، و“البركان” الذي ينسف تلك الهوية ويلغيها من الوجود.

15