قراءة خاطئة لتركيا: وعد "نظرية الاختيار العقلاني" الزائف

الأطراف السياسية في تركيا قد تقرر تماشيًا مع تفضيلاتها الأيديولوجية، حتى إن كانت قراراتها يمكن أن تتسبب في أن تتكبد تكاليف اقتصادية خطيرة.
الجمعة 2018/08/17
أزمة جراء قرارات سياسية خاطئة

تزداد الأزمة الاقتصادية في تركيا سوءا، وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثير من الخبراء المحليين والدوليين أخطأوا في قراءة أزمة تركيا، مما نتج عن ذلك توقعات خاطئة عن قرارات محتملة للأطراف السياسية الفاعلة في البلاد. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى قضية القس الأميركي أندرو برونسون مرة أخرى.

وتوقع الكثير من المحللين، بمن فيهم أولئك الذين يعملون في شركات دولية رفيعة، أن يتوصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تسوية مع الولايات المتحدة وألا يخاطر باقتصاد بلاده الهش. لكن ليس هذا ما حدث فقد رفض أردوغان التوصل إلى تسوية.

وكما كشفت قضية برونسون مرة أخرى، فإن السبب في تضليل المحللين المحليين والدوليين بشأن تركيا هو تركيزهم على نظرية الاختيار العقلاني. وثمة أداة تحليلية رئيسة مرفقة مع هذه النظرية تتمثل في أن الخبراء دائما ما قاموا بحساب تصرف الأطراف السياسية في تركيا بطرق محددة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الإخلاص الذي لا شك فيه لنظرية الاختيار العقلاني غالبًا ما خلق سوء تقدير خطير في ما يتعلق بالسياسات التركية. ولتلخيص الأمر، فإن نظرية الاختيار العقلاني تفترض أن الناس يتخذون قرارات بطريقة طبيعية من أجل تحقيق أعلى منفعة شخصية.

وبالتالي، كان يجب على أردوغان أن يطلق سراح برونسون على الفور، حيث أن هذا التصرف كان أفضل قرار محتمل لتأمين المصالح الاقتصادية لتركيا ولأردوغان.

لكن أردوغان رفض الاقتراحات الأميركية، على الرغم من أن إطالة أمد التوتر في ما يتعلق ببرونسون أسفر عن تداعيات خطيرة على الاقتصاد. فقد هوت الليرة التركية إلى مستويات غير مسبوقة.

وربما يمنح أردوغان بعد ذلك الضوء الأخضر لإطلاق سراح برونسون، لكن الدروس المستفادة حتى الآن من هذه القضية تكشف كيف ضللهم تركيز الخبراء على نظرية الاختيار العقلاني بشأن السياسات التركية. ومما لا شك فيه، فإن نظرية الاختيار العقلاني تعد منهجًا مهمًا، لكن تبنّي هذه النظرية كإطار عمل تحليلي فقط يسفر عن حسابات مختزلة خطيرة.

ولنتذكر كيف تسببت الحسابات الخاطئة للتحليلات الاقتصادية في خسائر مالية كبيرة في الأزمة المالية التي شهدتها اليونان. فقد خسرت شركات عالمية تسترشد بمحللين ذوي تعليم جيد مليارات الدولارات.

ويمكن الآن إجراء مقارنة بين الحالة التركية والحالة اليونانية. فقد فشل الكثير من المحللين ذوي التعليم الجيد في قراءة السياسات التركية، ويمكن أن يسفر هذا أيضا عن خسائر مالية ضخمة للشركات التي استثمرت في تركيا.

وتحت تأثير نظرية الاختيار العقلاني، فإن المحللين يتوقعون أن الأطراف السياسية الفاعلة في تركيا ستتخذ قراراتها دائما بناء على مصالح اقتصادية.

فعلى سبيل المثال، فإن توقعات مثل “تركيا لن تفرض أبدا ضوابط على رؤوس الأموال”، أو “إن تركيا لن تنفصل أبدا عن الغرب” هي أمثلة نمطية لنظرية الاختيار العقلاني هذه والمبنية على قراءات. لكن الاختيار العقلاني المبني على تحليل السياسات التركية مضلل بناء على سببين:

بادئ ذي بدء، فإن الأطراف السياسية قد تجعل من العوامل الأيديولوجية أو الاقتصادية أولوية عند اتخاذ قرارات لم يتنبأ بها على الإطلاق نموذج نظرية الاختيار العقلاني الغربي المعياري.

فعلى سبيل المثال، في تركيا، فإن الأطراف السياسية قد تقرر تماشيًا مع تفضيلاتها الأيديولوجية، حتى إن كانت قراراتها يمكن أن تتسبب في أن تتكبد تكاليف اقتصادية خطيرة.

ومن ثم، فمن الواضح أن الكثير من المحللين الأتراك فشلوا في دمج المعايير الأيديولوجية والاجتماعية خلال تقييم هذا البلد، مما يسفر، في العادة، عن تنبؤات اختزالية وخاطئة عن السياسات التركية.

وللإشارة إلى مثل جديد، فلننظر في خطاب أردوغان في بايبورت الأسبوع الماضي عندما توقع الكثير من المحللين أنه سيحاول تخفيف التوترات مع الولايات المتحدة ومساعدة الاقتصاد.

لكن أردوغان واصل لهجته الطنانة الفظة في ما يتعلق بالولايات المتحدة والأمور الاقتصادية التي تسببت في المزيد من التدهور للعملة التركية، وبكل معايير نظرية الاختيار العقلاني، فإن خطاب أردوغان في بايبورت كان سلوكا “غير عقلاني”.

لكن، من الناحية الأخرى، فإن الخطاب الذي ألقاه أردوغان في بايبورت يعد حالة نموذجية لكيفية قيام الزعيم السياسي بجعل الأيديولوجيا أولوية على المصالح الاقتصادية.

وثانيا، فإن العقلانية والمصلحة مصطلحان متعارضان.

ولنعد إلى قضية برونسون مرة أخرى. فطبقا لنظرية الاختيار العقلاني، فإن السيناريو المتوقع بالنسبة لأردوغان هو التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة. لكن ما يعتقد أردوغان أنه عقلاني وفي صالحه، قد يكون مختلفا تماما. وقد تكون إطالة أمد قضية برونسون والتوترات مع الولايات المتحدة فرصة مثالية بالنسبة لأردوغان لشرح الأزمة الاقتصادية الآخذة في التفاقم في تركيا لأنصاره.

ولعمل هذا، سيكون أردوغان قادرا على شرح أن الأزمة الاقتصادية هي نتيجة هجوم إمبريالي من قوى الغرب مثل الولايات المتحدة. وقد تؤدي الأزمة المستمرة مع الولايات المتحدة إلى مساعدة أردوغان في قمع المعارضة خلال معالجته للاقتصاد. وسيصمهم أردوغان سريعا بأنهم يتعاونون مع الإمبرياليين مثل الولايات المتحدة.

ومما يثير السخرية، فإن ما نعرفه بأنه غير عقلاني ربما يكون الخيار الأكثر عقلانية بالنسبة لأردوغان في تأمين بقائه السياسي.

وما تعلمناه من قضايا مثل إيران وفنزويلا والمجر، فإن فهم الأطراف السياسية للعقلانية قد يختلف تمامًا عندما يعانون من خطر الانفصال عن النظام باسم البقاء السياسي لأنظمتهم الحاكمة.

وما تزال تركيا تُعدّ جزءًا من النظام الغربي، لكن أردوغان زعيم سياسي يمكنه أن يخاطر بالانفصال عن الغرب، إذا ما اعتقد أنه في حاجة لعمل ذلك من أجل البقاء.

وحتى الآن فإن قضية أردوغان لم تعد تعبر عن مصير أحد السياسيين. فأردوغان حاليًا هو زعيم لنظام إسلامي ناشئ خلفه. وإضفاء الشرعية على نظامه الجديد يعد مهمة أساسية بالنسبة للحياة السياسية لأردوغان. ومثل هذه المهمة ستجعل أردوغان يضع في اعتباره دائمًا المخاوف الأيديولوجية كمعايير مهمة في عملية صنع القرار.

9