قراءة في إخوان الأصولية والطائفية وأخوات الإخوان

الجمعة 2014/04/25
يعيد إخوان سوريا إنتاج طائفية النظام القائم تنفيذا لأجندة دولية

أصدر الباحث السوري حمود حمود، كراسين فكريّين، أراد من خلالهما تقديم قراءة لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وكيفية رؤيتها للحكم والنظام السياسي، الذي وصفه بـ”الطائفي” المستند إلى رؤية أصولية لا تستطيع مقارعة المتطلبات الراهنة. أمّا الكراس الثاني فقد أراده حمود حمود موجها إلى الحركة النّسوية الإسلامية أو “الأخوات المسلمات”، والّتي استغرب الكاتب ظهورها كحركة اجتماعية رغم انتمائها إلى تنظيم الإخوان وخدمتها لأجندة الإسلام السّياسي عكس فكرة الحركة النسويّة العالمية الأصليّة.

والكراسان اللّذان أصدرهما حمود حمود هما “إخوان الأصولية والطائفية، إخوان دمشق مثالاً”، الذي صدر سنة 2013، والثاني هو “أخوات الإخوان، جدل النسوية الإسلامية”، الصادر عام 2014، عن مركز البوصلة.

الإخوان برأي حمود حمود مازالوا يؤكدون أن للسنة حق الهيمنة على بقية الطوائف وبالتالي لم ينتقلوا إلى مفاهيم العلمانية والمواطنة العصر الحديث، وظلوا حبيسي الماضي، وفي هذا هم فقهاء ومضادون للحداثة. كل ذلك على الرغم من محاولات كثير من الليبراليين السوريين الذين عمدوا إلى تلميع صورتهم حيث وصفوهم بأنهم تغيروا جذريا لا سيما بعد اصدارهم لبيان 2004..

وعلى الرغم من تفكيك الكاتب لرؤية الإخوان، إلاّ أنّه لا يقدم تفسيراً مقنعا عن سبب ظهور الإخوان وسبب اشتداد حركتهم بعد السبعينات بصفة خاصّة؟ ونجده يعود بتفسيره لهذا الظهور والتطور إلى الدين في حدّ ذاته، موضّحا أنّ الإسلام السياسي بذلك، لا يتغير ولا يتبدّل حتى لو تغيرت بعضٍ مظاهره، لأنّ الإخوان يعتقدون أن مصدر شرعيتهم دينيّ. وبالتالي فإنّ الماضي لا يمضي في نظرهم بل يتمظهر تباعاً عبر التاريخ بأشكال لا حصر لها.

الكاتب هنا يفصل الإخوان عن عصرهم ويلحقهم بالنص الديني مباشرة، وهنا يقع في خطأ كبير، حيث لا تفسر ظاهرة حديثة بماض قديم ولو تشابهت بعض خصائص هذه الظاهرة مع خصائص ظاهرة قديمة. بالتالي وبدلاً من تفسير ظهور الإخوان بفشل الحداثة العربية المرتبط بفشل الطبقة الحاملة للحداثة في التقدم بمشروعها، لأنّها جزء من عالم رأسمالي ضمن وحدة عالمية متأزمة، ذهب الكاتب إلى أنّ القضية تتعلّق بتضادّ الإسلاميين والحداثة، وبالتالي فهم مجرد أصوليّين وامتداد للماضي.

أمام تصاعد الإسلام السياسي نلمس تراجعا للقوة الحداثية الوطنية. فالإشكال ليس في الأصولية بل في النخبة التحديثية

ثم إن الكاتب لا يجد أن الإخوان تجاوزوا مدونة الفقه التقليدية ولم يطرحوا جديّاً قضية الأقليات، فبقي الأمر ضمن إطار أهل الذمة، ولذلك لم يعترف الإخوان (ومن جاورهم من جماعات الإسلام السياسي) لا في سوريا ولا في مصر بالقيادة سوى للسنّة وللذكور تحديداً، وبالتالي أصبح التوجس بالنسبة للأقليات في سوريا أمرا طبيعيا. وبقي الأمر على ما هو عليه بعد الثّمانينيات، حيث عمد النظام السوري إلى محاربة الإخوان كأفراد، بينما رعى هو نمط التفكير وعمل بكل الطّرق على تعميق الوعي الديني والطائفي.

ويؤكد الكتاب على العلاقة الوثيقة التي تربط الإخوان بالولايات المتحدة الأميركية، موضّحا أنّ هذه الأخيرة تريد وصولهم إلى السّلطة لمواجهة التيارات الجهادية، وبالتّالي دعمت فكرة وصولهم إلى السلطة في كلّ من مصر وتونس وسواهما، خدمة للمشروع الأميركي القاضي بـ”توطين الجهاديين داخل مجتمعاتهم الأصليّة”. أما عن الكراس الثاني، فيناقش ظهور “الأخوات الإسلاميات”، ويؤكد أنه مشروع مجعول لخدمة الإخوان بالتحديد، ونسف مبدأ النسوية العالمي.

وقد ظهرت الأخوات كردة فعل على النسوية العلمانية، التي ظهرت وتعمقت مع هدى الشّعراوي في مصر، حيث طرحت كفضاء معرفي علماني، ومن أجل إعادة موضعة مفهوم الجندر الإنساني، وهي تهديم “للهرم البطريركي المستند إلى اللغة والدين والتراث والتاريخ”، وعملت على قطيعة كلية مع الموروث بكل حوامله، وهو ما دفع الإسلاميات ولا سيما مع الإخوانية زينب الغزالي إلى إعادة المرأة إلى الموقع التراثي، (أي إلى المنزل والإنجاب ووظيفتها التربوية وحفظ الفروج والعفة). فنظرة الإخوان الخاصّة إلى الإسلام هي المرجع الأول والنهائي لتحديد حقوق المرأة ومكانتها (ضمن إطار يؤمن بأنّ النساء حرث للذكور حصرا).

وبالتالي فالهدف من تأسيس الأخوات، حسب المفكر السوري حمود حمود، هو إنشاء إمرأة مسلمة ملتزمة بالمنهج الإسلامي تابعة للإخوان، أو هي امرأة لا تخرج، في أحسن الأحوال عن الموقع التراثي المحدد لها. ما يعني رفضًا للمساواة المطلقة مع الذكر. أيّ رفض مفهـوم المواطنة بصفــة أعم.

ويشير الباحث إلى أنّه لم يكن لما يسمى بـ”الأخوات الإسلاميات” في سوريا ولا حتّى في مصر (ولا سيما بعد صعود الديكتاتوريات العسكرية) أيّ دور في أيّ مجال، حيث أنهي وجودهن بسبب شدة المواجهة والخشية عليهن. وانصرفت النساء لدور اجتماعي وتعليمي وتثقيفي، وهو ما أسّس لوعي ديني، استفاد منه لاحقاً الإخوان مع بداية الربيع العربي.

وبسبب سطوة الإسلاميين على المشهد السياسي في الفترة الأخيرة، فإنّ ذلك انعكس على الكاتب الذي أبدى تشاؤما، وذلك لعدم وجود الجندرية والمساواة ضمن أجندة هؤلاء بمقدار “ما كانت ذكورية الطابع ظاهرة، وتكريس تراث كانت النساء فيه وما زلن، مجرّد لواحق تحت مظلة الذكور”.

«الأخوات المسلمات» تنظيم يستهدف تنفيذ أجندة الإخوان، ولا علاقة له بالنضال النسوي العالمي

وحينما شاركت النساء، خاصّة ا في التظاهرات التي شهدتها مصر، لم تكن مشاركتهنّ من أجل حقوق المرأة، بل كانت من أجل إعادة “السلطة إلى مرسي”، وبرأي الكاتب، فإنّ الإخوان يستخدمون النساء اليوم “كأدوات ذكورية بغية جذب الأضواء الإعلامية وتضليل الرأي العالمي من خلال وضعه أمام صورة تفيد بأن عنف النظام السياسي لا يقتصر على الذّكور فحسب، بل يطال النساء كذلك”.

وبالنسبة إلى سوريا، فقد قررت الإخوانية “أمينة الشيخة” نقل تجربة المصريات، ولكن لم يتطور الأمر كثيراً بسبب الديكتاتورية، وقد طفت على السطح في سوريا ظاهرة “القبيسات”، والتي تعود إلى منيرة القبيسي التي تحسب على الإسلام الصوفي، وتعمل من أجل منهج أصولي، ولكن برأي الكاتب، يمكن تحويل عمل هذه المنظمة سريعاً نحو الأصولية العامة ووضعها في خدمة الإخوان وغيرهم.

ويؤكد أن ظاهرة “الأخوات الإسلاميّات” أو “القبيسيات” أو أيّ تنظيم نسائي إسلامي لا علاقة له بالنسوية العالمية، بل هو ضدها بالكامل، وسريعاً ما تعمل هذه الظواهر على “إعادة خلق المناخ الأصولي في المجتمع، والدعوة “التبشيرية بأقصى ما يمكن، بما يبشر به الإخوان المسلمون بعثياً”.

ويشير الباحث في آخر كرّاساته، إلى أنّه “لا مناص من الخلاص من هذه الظواهر بقصد بناء هوية جندرية منفتحة ومؤسسة على أرضية المساواة في عمق هويّة الوجود الإنساني”.

هذان الكراسان، فيهما محاولتان جادّتان لفهم عقلية الإسلام السياسي ودوره وعلاقته بالدين الأصلي، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لكيفيّة تحديده حقوق المرأة بما يبقيها تابعة للذكر، تخدمه وتخدم كلّ أصولية وتطرّف وشعبوية.

13