قراءة في البيان الوزاري لحكومة تمام سلام

الأربعاء 2014/03/19

ذابت “المقاومة” في بيان وزاري لحكومة لبنانية جديدة. إنه بيان يستطيع كلّ طرف قراءته على طريقته. ولكن يبقى أن البيان، بيان حكومة تمّام سلام، يتضمن إيجابيات عدة في مقدمتها التخلص من صيغة “الجيش والشعب والمقاومة”.

لم تكن تلك الصيغة سوى نسخة معدّلة لاتفاق القاهرة الموقّع بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1969، مع فارق يتمثّل في حلول السلاح السوري والإيراني، الإيراني أوّلا، مكان السلاح الفلسطيني.

إضافة إلى التشديد على القرار رقم 1701 وإعلان لبنان مرة أخرى “الالتزام الكامل” به، هناك للمرة الأولى منذ العام 2000، تاريخ الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، تأكيد لمرجعية الدولة اللبنانية. هناك ذكر للدولة اللبنانية بصفة كونها صاحبة الحق في تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، أي مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء اللبناني من الغجر.

لم يستجب البيان الوزاري لصيغة طرحها رئيس مجلس النواب، الرئيس نبيه برّي، وكانت تشير إلى اعتماد الدولة اللبنانية على “الوسائل المتاحة” لتحرير الأرض. كانت تلك الصيغة طريقة لإيجاد غطاء، بطريقة أو بأخرى، للسلاح غير الشرعي لـ”حزب الله” الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني يتصرّف بعناصره اللبنانية وفق ما تمليه عليه طهران التي لا ترى في لبنان سوى ورقة بين أوراق عدة صالحة للاستخدام والتوظيف في خدمة مصالحها.

يستعيد لبنان سيادته وقراره الوطني خطوة خطوة. لا شكّ أن البيان الوزاري لحكومة “المصلحة الوطنية” ليس واضحا بما فيه الكفاية. هناك اعتراضات على بعض النقاط. لكنّه يظل أفضل من بيان الحكومات السابقة، خصوصا حكومة “حزب الله” التي كانت برئاسة نجيب ميقاتي. شكّلت تلك الحكومة التي فرضها سلاح “حزب الله”، الموجه إلى صدور اللبنانيين العزّل، ذروة الانصياع للمطالب الإيرانية ولكلّ ما يطمح إليه النظام السوري في الوقت ذاته، على حساب كلّ ما له علاقة بكرامة اللبنانيين، خصوصا أهل السنّة والمسيحيين.

هل يعني البيان الوزاري شيئا باستثناء تأكيده رغبة اللبنانيين في التخلّص من السلاح “الميليشيوي” لحزب مذهبي مرجعيته غير لبنانية؟ قد لا يستجيب كلّيا لطموحات اللبنانيين في وقت يركز “حزب الله” على تحرير القدس عن طريق يبرود، بعدما تبيّن أن الأولوية بالنسبة إليه ولغيره من هذا النوع من الأحزاب هو الانتماء المذهبي. في النهاية، لا يمكن ليبرود إلا أن تأخذ الحزب إلى بلدة أو مدينة سورية أخرى، تماما كما أخذته القصير إلى يبرود.

لن يقود تحرير يبرود إلى القدس أو لشيء من هذا القبيل. مثل هذا النوع من “التحرير” لا يقود سوى إلى التغوّل أكثر في دماء الشعب السوري. وهذا ليس في مصلحة لبنان واللبنانيين أو سوريا والسوريين.

يستطيع “حزب الله” استخدام البيان الوزاري لتأكيد أن هناك كلمات وردت في النص تخدم سلاحه الموجه إلى صدور اللبنانيين قبل السوريين. هذا السلاح هو الذي يمنع وجود حياة سياسية طبيعية في لبنان. هذا السلاح الذي يمنع العرب من المجيء إلى لبنان والاستثمار فيه. هذا السلاح الذي ينشر البؤس في بيروت وفي كلّ مدينة وبلدة وقرية لبنانية ويهجّر معظم الشباب اللبناني.

بعض الجرأة أكثر من ضروري. التضحية بشبان لبنانيين من خيرة شبّان البلد ليس شجاعة. تكمن الشجاعة في الاعتراف بأن الانتصار الذي تحقّق في يبرود ليس سوى وهم. تقضي الشجاعة بالاقتداء بالشجعان. فقد امتلك الرئيس سعد الحريري ما يكفي من الجرأة والشجاعة وقبل الجلوس مع “حزب الله” في حكومة واحدة على الرغم من أنه يعرف تماما من قتل والده. قدّم المصلحة الوطنية على كلّ ما عداها. إنه يدرك تماما ما على المحكّ حاليا، وأن المطلوب، اليوم قبل غد، الحدّ من الأضرار التي يمكن أن تلحق بلبنان جرّاء استمرار الوضع السوري على حاله.

كيف العمل على تحصين لبنان؟ يفترض في “حزب الله” أن يطرح على نفسه هذا السؤال بدل التباهي بإدخال كلمة “مقاومة” في البيان الوزاري، خصوصا أنه يعرف قبل غيره أن كل شيء انتهى بعد “الانتصار المجيد” الذي حققه في حرب صيف العام 2006 والذي توّج بصدور القرار 1701. من يقرأ نص القرار، الذي وافق “حزب الله” على كل حرف فيه، نظرا لحاجته وقتذاك إلى وقف للنار، يعرف جيّدا أن الوجود المسلّح لقوى غير نظامية لبنانية في المنطقة التي تشكّل مسرح عمليات القوة الدولية، يصبّ في غير مصلحة لبنان. إنه يصبّ بكل بساطة في إبقاء الجنوب جرحا ينزف خدمة لأولئك الذين ابتدعوا صيغة مزارع شبعا وتلال كفر شوبا بعد الانسحاب الإسرائيلي في السنة 2000 من أجل إبقاء لبنان ورقة إيرانية- سورية وأهل الجنوب رهينة لدى “حزب الله”.

كان ذلك ارتكابا لا يخدم في نهاية المطاف سوى إسرائيل التي لم تعترض يوما على غياب الجيش اللبناني عن جنوب لبنان وذلك منذ ما قبل نشوء “حزب الله”. كان ذلك أيضا ارتكابا لمصلحة النظام السوري الذي لم يكن لديه من هدف سوى المتاجرة بالجنوب اللبناني وأهله والتأكّيد في الوقت ذاته على أن جبهة الجولان المحتل مغلقة بإحكام. أخيرا كان هذا الارتكاب طموحا إيرانيا نظرا إلى أن هذا البلد الذي يعتبر نفسه قوّة إقليمية يريد إيجاد خط تماس بينه وبين إسرائيل، يعقد من خلاله صفقات مع “الشيطان الأكبر” الأميركي، و”الشيطان الأصغر” الإسرائيـلي على حسـاب لبنان واللبنانيين.

ليس البيان الوزاري سوى خطوة متواضعة على طريق استعادة لبنان قراره. إنه أفضل من لا شيء. لكنّه يؤكّد أن المقاومة اللبنانية مستمرّة وأن ثقافة الحياة لا يمكن إلا أن تنتصر على ثقافة الموت التي ترى في الانتصار على يبرود وقتل السوريين بديلا من الانتصار على إسرائيل، وفي إفقار لبنان وتعطيل الحياة السياسية والاقتصادية فيه “ممانعة”، نعم “ممانعة”!


إعلامي لبناني

8