قراءة في انتخابات طرابلس الفرعية وفهم المبدأ الديمقراطي

ما تمخضت عنه انتخابات طرابلس الأخيرة حقيقة لا جدال فيها بأن ديمقراطية لبنان مريضة سريريا، وأن شفاءها مرهون، بفهم ديمقراطي حقيقي، وإلا فإن موتها سيكون حتميا ومعها الأمل بالمستقبل.
الخميس 2019/04/18
التدخل الفوقي (فرض المرشح المرغوب) أضعف فاعلية تيار المستقبل

انتهت انتخابات طرابلس الفرعية، كما كان متوقّعا، لكن بقيت تردداتها داخل منظومة تيار المستقبل وفي قلب مفهوم الديمقراطية البرلماني. أظهرت الانتخابات أن الساحة الطرابلسية مشوشة في أحسن حالاتها ولا مبالية في أسوأها، هذا التراوح يشكل أكبر خطر على الديمقراطية البرلمانية وعلى مستقبل تيار المستقبل.

صوّرت قيادة المستقبل نتائج الانتخابات في طرابلس بأنها انتصار، ودليل على أنها قادرة على إيصال أيّ شخصية ولو لم تحظ بشعبية أو قناعة لدى الناخب، إلى البرلمان؛ وهذا دليل على أن الناخب لا ينظر للمرشح بل إلى زعيم المستقبل، لأنه الأساس في العملية الانتخابية. هذه النظرة المترسخة لدى الناخب لا تقتصر على سعد الحريري، بل تطال كثير من الشخصيات في لبنان حيث يصوّت الناخب لزعيم ولقائد، وليس لنائب أو برنامج حزبي. وطالما أن الزعيم أو القائد يدرك تلك المعادلة الانتخابية فإنه يصبح الآمر الناهي، ويختصر الحزب أو التيار كله في شخصه، ويتحوّل، بالتالي، نوابه إلى جوقة تبصم أو وترفض كيفما اشتهى.

هذه الممارسة القائمة تضرب فكرة الديمقراطية في مقتل لأنها تؤدي إلى خلاف المبتغى؛ فالنائب يجب أن يكون ممثلا لدائرته، وأن يكون حاملا لبرنامج ويحظى باستقلالية في قراره، ويصوّت وفق قناعاته الشخصية، وبوسعه حتى أن يعارض حزبه في قضايا يعتبرها مبدئية، ويخالف البرنامج الذي قاده للبرلمان وفق ظروف معينة.

فالديمقراطية البرلمانية هدفها أن يصل نواب إلى البرلمان قادرون على التحاور مع معارضيهم من النواب، وأن يكونوا ممثّلين لشرائح مختلفة من المجتمع، وليسوا من طبقة النخبة العاجزة في كثير من الأحوال عن فهم حركة الشارع ونبضه. فالنائب هو مدماك أساسي في عملية البناء الديمقراطي، واختياره يجب أن يكون مبنيا على أسس موضوعية وتاريخ حزبي ونضال، وليس اختيارا فرديا من زعيم.

الحزب الحقيقي هو الذي يتواصل مع أعضائه وقياداته المناطقية، وله تماس مباشر مع المواطنين، مما يجعله يستشعر نبض الناس، ويتفهم مطالبهم وهواجسهم، ويعمل بناء على هذه المعطيات وفق الأطر الحزبية الحقيقية، لصياغة برنامج حزبي شامل

هكذا كلما كان النائب يعبّر عن قناعاته، استطاع أن يرفد أكثر العملية الديمقراطية بحيوية ويرشدها، وكذلك كلما التزم، كالنعجة، بزعيمه أضعف الديمقراطية، وضلل قيادته، وضيّع مصالح الدائرة أو البلد. فالنائب يمثل إرادة الشعب وهذه الإرادة ليس معناها إرادة طائفته أو ناخبيه، بل أيضا معارضيه في الطائفة وفي الدائرة، وعلى مستوى الوطن. فالفائز في الانتخابات عن دائرة لا يمثّل فقط الذين صوّتوا له، بل جميع مواطنيه في الوطن، لذلك من واجبه أن يراعي معارضيه، وأن يتفهم مطالبهم، ويحاول قدر ما أمكن أن يوازن ويقارن ويتخذ قراره بعد تفكير طويل.

إن أي مراجعة للانتخابات الفرعية في طرابلس وفق هذا المفهوم الديمقراطي من شأنها أن تكشف عن خلل جسيم في هذا المفهوم. فتيار المستقبل في اختياره لمرشحته ديما الجمالي لم يكن اختيارا حزبيا، بمعنى أن الدائرة التابعة للتيار في طرابلس اختارتها من بين عدة مرشحين حزبيين، وليس معروفا ما إذا كانت تنتمي قبل اختيارها، إلى تيار المستقبل أو كانت ناشطة فيه، كل ما يعرفه الناخب أن الاختيار جاء من زعيم التيار سعد الحريري. ورغم فوز المرشحة ديما في انتخابات مايو الماضية بنسبة ضئيلة جدا من الأصوات فإن قيادة المستقبل لم تدرس الأسباب التي كانت وراء هذا التمثيل المنخفض، وما إذا كانت تصلح لتمثيل دائرة في طرابلس، فديما الجمالي نزلت على طرابلس بالمظلة، وليس لها تاريخ في السياسة على مستوى طرابلس أو الوطن. كما أن ترشيحها بهذه الطريقة حرم كثيرين من منتسبي التيار في طرابلس، بالتحديد الشباب، من فرصة الترشح والانخراط في الشأن العام وخدمة البلد.

رغم كل تلك المؤشرات، وبعد إبطال المحكمة الدستورية ترشيحها، عادت قيادة المستقبل ورشحتها عن نفس الدائرة الانتخابية، واعتبرت أن خسارتها هي خسارة الزعيم، وربطت مصير الحزب بمصيرها، وبالتالي لم تنظر القيادة في وجدان الشارع ولم تدرس الأرض، بل تابعت سياستها وفق نظرية الزعيم التي تقتل الديمقراطية، ولكي لا تخسر القيادة ماء وجهها وضعت كل ما تملكه من أدوات ضغط وتحالفات وتحشيد وتهييج، في سبيل إعادة انتخابها، فوقفت كل قيادات البلد والفاعليات والشخصيات المختلفة مع تيار المستقبل، علاوة على نزول شخصيات مهمة مثل فؤاد السنيورة وبهية الحريري إلى طرابلس لدعم المرشحة ديما الجمالي. ورغم كل تلك الجهود تبين أن الناخب رغم تبعيته للزعيم، لم يتحمس وقرر العزوف عن المشاركة في تلك الانتخابات التي لم تتعد نسبة المشاركة فيها 13 بالمئة.

كما كان بارزا أن منافسي ديما الجمالي ومنهم شخصيات دخلت البرلمان مثل مصباح الأحدب، لم تنل تأييدا يذكر، مما يؤكد أن الديمقراطية بمفهومها النيابي الحقيقي ليست بصحة جيدة في لبنان وبالتحديد في طرابلس.

لعل أول خطوة ضرورية مطلوبة هي الابتعاد عن فكرة القائد الجماهيري، والتركيز على القيادة الجماعية المؤسساتية. فالحزب الحقيقي هو الذي يتواصل مع أعضائه وقياداته المناطقية، وله تماس مباشر مع المواطنين، مما يجعله يستشعر نبض الناس، ويتفهم مطالبهم وهواجسهم، ويعمل بناء على هذه المعطيات وفق الأطر الحزبية الحقيقية، لصياغة برنامج حزبي شامل يوائم بين المحلي والوطني. ويتوجب على القيادة أن تُنمِّي في الناخب القناعة التامة أن الانتخاب هو فعلا عملية تغيير حقيقي للأوضاع التي يعيشها، وعليها أن تسعى جديا إلى استصدار قوانين انتخابية تجرّم عمليات الرشاوى المالية والمحسوبيات، وكذلك تحديد سقف مالي للإنفاق على الحملات الانتخابية ومراقبة أي تبرّعات لحزب أو أشخاص والكشف عنها لكي يكون الناخب على معرفة ودراية.

والخطوة الثانية تُوجبُ على تيار المستقبل أن يعي تماما هذا المفهوم الديمقراطي ويلتزم به، ويرى في ضوئه أن تدني نسبة التأييد الشعبي له ليس ضارا بالمطلق، بل مناسبة لإطلاق مراجعة حقيقية، شرط أن لا تكون كمراجعة مايو الماضي، لإعادة النظر في هيكلة تياره وبالتحديد عمله الحزبي، وفق المفهوم الديمقراطي الصحيح. وهذا يستدعي النظر في تركيبة قيادة التيار التي يغلب عليها التعيين بدلا من الانتخاب، بمعنى أن رئيس التيار يعطي كلمة السر ويتحقق له ما يريد. هذا للأسف ليس وقفا على الحريري بل تمارسه كل الأحزاب والتيارات السياسية في لبنان، لكن ما يتميز به المستقبل أنه تيار جامع لكل الأطياف الدينية والعرقية، وليس تيارا طائفيا صافيا كما نراه في بقية الأحزاب السياسية اللبنانية.

اختيار ديما الجمالي جاء من زعيم التيار سعد الحريري
اختيار ديما الجمالي جاء من زعيم التيار سعد الحريري

لذلك فإن التدخل الفوقي (فرض المرشح المرغوب) أضعف فاعلية تيار المستقبل، وألبسه صورة الحزب “العائلة”، إضافة إلى أنه لا يزال يحتل مركز القيادة فيه شخصيات لم تتغير منذ وفاة الشهيد رفيق الحريري، هذه الشخصيات هي صانعة القرار الحزبي ولكنها ليست منتخبة، وليس لها تواصل مع الناخبين ولا تحظى برصيد شعبي.

الخطوة الثالثة المطلوبة هي النظر في مسؤولية أمين عام تيار المستقبل. فالمنصب يتطلّب مهارات وقدرات وإجماع، وبالتالي مراجعة مستمرة من القيادة لهذا المنصب ومَنْ يحتله. ففي انتخابات مايو الماضي جهد الأمين العام كثيرا، لكن النتيجة كانت سيئة واعترف سعد الحريري بذلك. وفي انتخابات طرابلس الفرعية ظهرت النتيجة سيئة كذلك، مما يستدعي إعادة النظر في سياسة الأمين العام للتيار، وإدارته لملف الانتخابات، فالأمين العام الحالي بدل أن يراجع أسباب التردي في الانتخابات الماضية، مضى على نفس النهج الفائت، فاعتمد خطة انتخابية بائسة مؤسسة على التهييج الطائفي في مدينة فقيرة، ومدينة محافظة ومحاطة بهواجس كثيرة، فكانت النتيجة محبطة، ومخيّبة للآمال.

إن الديمقراطية ليست فقط عملية إدلاء بأصوات في صناديق الاقتراع بل وسيلة لمعرفة خيارات الناس ومشاركتهم في هواجسهم وترشيدهم في صنع مصيرهم، وأن العمل البرلماني وسيلة لتأكيد الإرادة الشعبية وإظهارها، فإذا كان الزعيم يصادر تلك الإرادة بشخصه فإن المفهوم الديمقراطي بمجمله يصبح معطوبا. ما تمخضت عنه انتخابات طرابلس الأخيرة حقيقة لا جدال فيها بأن ديمقراطية لبنان مريضة سريريّا، وأن شفاءها مرهون، بفهم ديمقراطي حقيقي، وإلا فإن موتها سيكون حتميا ومعها الأمل بالمستقبل.

8