قراءة في تنظيم داعش: لا شيء يأتي من فراغ

الجمعة 2015/06/19

يعتبر داعش المستوى الجديد والحديث للحركات التكفيرية مثل القاعدة وأنصار الشريعة والنصرة وبوكو حرام، وكل الجماعات المتطرفة التي خرجت للقتال واستعملت العنف لأغراض سياسية.

لاشك أن الفكر الذي تعتمد عليه هذه الجماعات قديم وهو الفكر الخارجي، فهم خوارج من حيث العقيدة. وحديثا يعتبر كتاب المذكرة الإستراتيجية لعبدالله بن محمد ونظرية الذراعين هما المرجع الحديث. اختلط معهم البعد الجيوسياسي مـن حيـث التخطيط والمسـاندة بالإضـافة إلى الدعم اللوجستيكي. داعش اليوم هو خليط من التكفيريين مع الصهيونية العالمية مع العثمانيين والمستهدف هو الإقليم العربي.

فالمنطقة تحتوي على ثلاث قوى أثبت جدارتها، بغض النظر عن مشروعيتها، مثل الحالة الإسرائيلية بالإضافة إلى إيران وتركيا في غياب كامل لمشروع عربي.

ثلاثة أبعاد تتحكم في المشهد وتعد وراء ظهور داعش وهي؛ البعد السياسي حيث الفوضى الخلاقة نظرية أميركية ظاهرها نشر الديمقراطية وباطنها تفتيت الجيوش العربية، مثل جيش العراق وسوريا وليبيا واليمن، ولم ينجح الأمر مع الجيش المصري.

والبعد الجيوسياسي وهو بعد تستفيد منه إسرائيل. كما أن البعد الاقتصادي يتمثل في أن الولايات المتحدة ليس من مصلحتها أن يبقى في الحكم كل من يفكر في تغيير بيع النفط بعملة غير الدولار، مثلما حاول سابقا صدام حسين ومعمر القذافي.

كما أن انتشار داعش في المنطقة واختياره لمناطق النفط البعيدة عن أماكن السكان سيقود إلى فصل بين إقليم السكان وإقليم الثروات، وسيؤدي إلى بيع نفطها بسعر بخس، وربح الشركات النفطية الغربية لقضايا بيع نفطها بالأجل، وسيقود ذلك إلى إعلان إفلاس هذه الدول وانهيارها اقتصاديا، بالإضافة إلى ضرب العمق التاريخي للدول العربية من خلال هدم وتدمير آثارها.

هذا في ما يخص البعد الكلي للظاهرة أي (macro level)، وهو بعد يمكن تلمسه عبر الاطلاع على أوضاع المنطقة الممتدة من أفغانستان حتى موريتانيا. لكن ما أود التركيز عليه هو البعد الجزئي للمسألة أي (micro level) وهو يتمثل في النظر إلى طبيعة المنضمين لتنظيم داعش وأعمارهم والمحيط والدوافع لانضمامهم لهذا التنظيم، ومستوى تدريبهم والدعم اللوجستي الذي يتلقونه لتسقط مدن تحت أقدام هذا التنظيم.

من الملاحظ أن المنضمين للتنظيم هم شباب ينتمون لشريحة عمرية تتراوح بين 16 و27 سنة، ما يعني أنهم ليسوا من أفراد القاعدة الذين حاربوا في أفغانستان، لأن أغلب هؤلاء تصل أعمارهم اليوم إلى مشارف الخمسين أو أكثر. إذن من هم هؤلاء الشباب ومن أي بيئة جاؤوا وما هي تربيتهم الدينية وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية؟ وأي نوع من التدريب العسكري تلقوا؟ والأهم من هذا كله هل هناك حاضنة شعبية لهؤلاء لتخفي وتتستر عليهم وتساعد في تكاثرهم ونموهم؟

العديد من الأسئلة المتصلة بتنظيم داعش في حاجة لمؤسسة أو مؤسسات لتفكيك خطاب التنظيم وفهم آلياته وطريقة حركته وإمداداته، قبل الحديث عن محاربته للوصول لحماية المجتمع والدولة من شروره. فلا شيء يأتي من لا شيء.

كاتب ليبي

9