قراءة في رواية موديانو الأخيرة "لكي لا تتيه في الحيّ"

الأحد 2014/10/12
"لكي لا تتيه في الحيّ": حقيقة الكائنات غير موجودة إلا في الماضي الهارب

باريس – في روايته الأخيرة “لكي لا تتيه في الحيّ”، الصادرة منذ بضعة أيام عن دار غاليمار، يواصل باتريك موديانو الحفر في تجاويف الذاكرة، وارتياد الأماكن التي وقّعتها في صغره خطاه، كمن يبحث في أحياء باريس عن ماض تولّى، يستحضر في طياته دروبا يعيد رسمها بدقة، لعلها تهدي مشاة المدينة، وتقيهم من تيه، مثلما يستدعي الجانب المظلم من تاريخ فرنسا زمن الحرب، ليسائل ذاكرة جمعية مثقلة.

عرف باتريك موديانومنذ خمس وأربعين سنة ببحثه الدائب في غياهب الماضي، الماضي القريب المجلل بفظاعة الاحتلال وتخاذل الجبناء وتواطؤ “المتعاونين”، يرتد لسبر غوره واستكشاف أصداء تلك الفترة المظلمة على واقع الحال، وأثرها في نفوس من حوله وفي نفسه هو، رغم أنه لم يشهد الحرب ولا الاحتلال وهو المولود عام 1945، ولكنه عاش تبعاتها واقتفى أشباحها. وهو ما عناه بقوله :”ينتابني دائما إحساس بأنينبتة ولدت من هذا الزبل.”

روايته التي بين يدينا لا تختلف كثيرا عن روايات موديانو السابقة، فكلها تقريبا تنطلق انطلاق رواية بوليسية للبحث عن الأصول العائلية والهويات المترجرجة والماضي لا يمر، ثم تنزاح نحو تكثيف أجواء ومناخات صار سمة الكاتب البارزة.

تبدأ الرواية بجملة (لا شيء تقريبا) تلخص وحدها مقاربة موديانو للعمل الروائي، وإيثاره جمالية أدبية تقوم على كل ما هو دقيق وبسيط ومتلاشٍ وضبابي وغير جليّ، ولا تحفل بالحدث إلا بمقدار ما يكون سندا لخلق مناخ، حتى وإن تعلق الأمر بفك لغز أو حلّ مسألة محيرة، حتى ليصبح العجز عن حل القضية الغاية والقصد، كما هو الشأن هنا، حيث يتلقى كاتب يدعى جان دَرَغان مكالمة هاتفية من شخص يعلمه أنه عثر على مفكرة عناوينه، وأنّ من بين الأسماء التي تحويها هذه المفكرة شخصًا اسمُه غي تورسيل، ويبدي المتحدث حرصا شديدا على إعادته إلى صاحبه، وفضولا لمعرفة العلاقة التي تربط دَرَغان بالمدعو تورسيل، لأنه كان هو أيضا يجدّ في البحث عنه.


جغرافيا الذاكرة


وكعادته في توخي هذا النوع من الاستهلال، ينجح موديانو في شدّ انتباه القارئ، ويخلق مناخا من الضيق والترقب، على طريقة جورج سيمنون، ثم يتكشّف الحدث عن خيط واهٍ، يتخذه الكاتب مطية لرصد تفاصيل من العابر المنفلت، والثابت العَصيّ عن الإدراك، متنقلا بين ماضي البطل وجغرافيا المدينة، ليخلق في النهاية ما يمكن تسميته بجغرافيا الذاكرة، حيث يعمد إلى إحالة مشاهداته الحسية لمختلف الأماكن التي يمر بها على زمن مضى كانت فيه تلك المعالم جزءا لا يتجزأ من ماضيه هو، وماضي بلد رزح أعواما تحت الاحتلال.

جملة (لا شيء تقريبا) التي تبدأ بها الرواية تلخص مقاربة موديانو للعمل الروائي وإيثاره جمالية أدبية تقوم على كل ما هو دقيق وبسيط ومتلاش وضبابي وغير جليّ

يسرد ذلك في لغة بسيطة خالية من التعقيد، وفي جمل قصيرة غالبا ما تكون مفروقة عن بعضها البعض، قبل أن تقترن لتشكل لوحة، مثل “المربكة” التي لا تعني قِطعها منفردة أي شيء، ولكنها توحي بما توحي إذا ما هي تجمعت. وهو في رصده التفاصيل، يسجّل حتى العناوين، بأرقامها وأسماء شوارعها وحواريها، كما هو الشأن في سائر أعماله، ولكن ليس بتلك التسجيلية الفجة التي دأب عليها أنصار الواقعية الاشتراكية، بل بأسلوب يتميز بنبرة موسيقية مخصوصة، تذكر أحيانا بنبرة بروست في تلمس دقائق الأشياء، مع فارق هام هو أن بروست يطنب حدّ الفيضان، فيما موديانو يوجز لأنه يرفض سبر نفسيات شخوصه.


الباريسي المشاء


وهو إذ يرصد الواقع لا يستثني منه حتى البسيط الهَمل، فغالبا ما يستلهم من أدلة الهاتف القديمة وعناوينها مثلا تواريخ ووقائع وحيوات تستنهض خياله، وتوحي له فوق ذلك بأجواء تلك المباني الباريسية المميزة، التي شُيّدت بأمر من المحافظ هوسمان على طراز متجانس رائق الفتنة، خصوصا تلك التي أقيم فيها مدخلان : أمامي وخلفي، كتلك التي كان صغيرا يزور فيها أباه في مكتبه.

والبطل جان دَرَغان، إن جاز أن نسميه كذلك، هو كاتب اختار العزلة والانفراد، مثل موديانو نفسه، لا يرغب في إقامة علاقات صداقة، وإن كان لا يرفض لأحد طلبا، لطبع فيه وطيبة تربأ به عن صدّ أحد. يجد سعادته في قراءة الكتب مثل “التاريخ الطبيعي” للكونت دو بوفون( 1707 – 1788)، والتسكع في شوارع المدينة، خصوصا عند الغروب. فهو من المشائين الباريسيين الذين يهوون التأمل أثناء المشي، على طريقة روسو، والتوقف بين الحين والحين للتحدث إلى الشجر. والرجل الذي أزعج راحته وأخرجه من عزلته هذه المرة، يدعى جيل أوطّوني، وهو فارس سباق فاشل تحول إلى مقامر مندفع، ومؤلف كتاب في هذا المضمار. جمعتهما صدفة عجيبة فسعيا في البحث عن ذلك الشخص الغريب غي تورسيل، وتقودهما أقدامهما إلى غابة سان لو، إحدى ضواحي باريس الشمالية، التي أجارت في وقت ما عازفة البيانو فندا لندوفسكاوالشاعر أوليفييهلاروند في بيت بطابق واحد كان موديانو وأخوه رودي قد قضيا فيه طفولتهما.

الكاتب يتماهى مع بطله وهذه سمة في كتابات موديانو فأعماله هي نفسها دائما وحكايته هي حكاية أبويه، اللذين يهملان تربيته وينصرفان إلى شؤنهما


الكاتب والبطل


وتماهي الكاتب مع بطله، الذي نكتشف أنه عاش هو أيضا في هذه الناحية، هي سمة من سمات كتابات موديانو. فمادة أعماله هي نفسها دائما. وحكايته هي حكاية أبويه، اللذين يهملان تربيته، لينصرف كل منهما إلى شؤونه : الأم كممثلة فاشلة، والأب كتاجر في السوق السوداء ورجل مشبوه يعيد عجن تلك العناصر عجنا يختلط فيه الواقع بالمتخيل ليخلق عالما ضبابيا لا ينضح بنور. في البداية، راود جان دَرَغان إحساسبأن غي تورسيل، الذي لا يعني بالنسبة إليه أي شيء، كان له دور في حياته لا ينكر. ولكن لما بلغ ذلك البيت الذي ذكّره بطفولته بدأ يتساءل عما إذا كانت الحكاية كلها محض أوهام،إذ أن ذكرياته لا تطابق ذكريات كل من صادفهم في تلك الجهة. وشيئا فشيئا يدركه ماضيه، مطلع الخمسينات تحديدا، حين تخلى عنه أبواه وعهدا بتربيته لأغراب سيئـي الخلق والسمعة. وفي غمرة شكه واضطرابه، يتلبك في ذهنهكل شيء، ويغيم الواقع ويهتز، لينوب عنه التخييل السردي. وكأن الكاتب يخير أن يحول المرءُ حياته إلى حلم على أن يحاول عبثا إعادة بناء أحداثها واسترجاع أيامها.

يقول البطل وقد أدركته قناعة بأن ما تبدى له هو من أوهامالذاكرة : “تلك المرحلة من حياته باتت تتراءى له عبر زجاج مخشّن… حيث لا يميز المرء الوجوه ولا الأطياف.”

فحقيقة الكائنات وتاريخها في رأي موديانولا وجود لهما إلا في الماضي، ولكنه ماض لا يني ينفلت وينجرف كلما حاولنا الانتقال إليه. يقول الكاتب على لسان بطله : “كل هذا الماضي صار بالغ الرهافة مع الزمن… بخارا يتبدد تحت الشمس. “


لا شيء تقريبا


الرواية قصيرة لا يتعدى حجمها مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، وكأن موديانو، وقد قارب السبعين من عمره، صار أميل إلى الاقتصاد في العبارة، يُحِلُّ اللفظة محلها من غير زخرف ولا إسهاب، دونما إخلال يوحي بنضوب القريحة. وهي إلى ذلك مندرجة في مشروعه الروائي الضخم، الذي يضع خلق المناخ في المقام الأول، ثم ينصرف لإحياء تفاصيل المدينة وأجواءها المعتمة في لغة مكتنزة تمتح من روح الشعر. ما جعل النقاد يعتبرون أعماله “بحوثا في الجغرافيا الحضرية للسائرين في مدينة موديانولاند، أقرب المدن البعيدة.”

يقف موديانو على طرف نقيض من مواطنه لو كليزيو المتوج بنوبل هو أيضا عام 2008. فهذا يحب البحر والشمس وزرقة السماء والهواء الطلق، وذاك يهوى الغروب والضباب والأصباح العابسة

وهذه الرواية كما قال أحدهم هي في الواقع حلم رواية، نفَس من التخييل، تنتهي، كما بدأت، إلى “لا شيء تقريبا.” وهو ما لا ينكره موديانو نفسه حيث صدر عمله بمقولة لستندال جاء فيها : “لا أستطيع نقل واقع الأحداث، لا أستطيع أن أقدم عنها سوى الظل.”

كذلك هو في سائر أعماله، لا يهمه من الواقع غير ظله، جوانبه المعتمة التي لا تنفذ إليها سوى عين فنان قدير. أي أنه يقف على طرف نقيض من مواطنه لو كليزيو المتوج بنوبل هو أيضا عام 2008. فهذا يحب البحر والشمس وزرقة السماء والهواء الطلق، وذاك يهوى الغروب والضباب والأصباح العابسة.

يقول بيير أسّولين : “لقد فهم باتريك موديانو منذ زمن طويل أنه لا يتقن إلا شيئا واحدا، وأن من العبث تعميق مجرى كاتب آخر، فهو يؤلف ويكتب مثل منمنِم فارسي. والحكمة أن يعي المرء ذلك ويلتزم به.”


إقرأ أيضا:



ماذا لو كانت جائزة نوبل مجرد مؤامرة سرية



نوبل تجمع الفرنسيين من حول موديانو



فصل من رواية 'لكي لا تتيه في الحي'

13