قراءة في سيناريوهات الوضع العراقي

الثلاثاء 2014/08/19

حين وصلت الثورة إلى بوابات بغداد، اتصل ولي الفقيه علي خامنئي بالخليفة أبي بكر البغدادي، قائلاً له: اذهب جهة الكرد.

فإن لم تفعل ستزول نهائياً. وفعلاً أدار ظهره لبغداد، وبدأت معاركه الكردية. هنا تدخل الأميركان ولكن ليس لإنهاء البغدادي وتنظيمه، بل لمنع الثورة من إسقاط الحكم، وتلقي داعش بعض الضربات العسكرية التافهة.

شعور الأميركان وإيران بالخطر حين راحت بوابات بغداد بالارتجاج، وحين بدأ الجنوب يؤازر الثورة عبر آية الله الصرخي وأتباعه، وحين أخذ الحراك في الجنوب يتصاعد، دفعهم إلى إيقاف كل ذلك، فأعلنت الخلافة وفرض الإسلام على المسيحيين وهجّروا، وبدأ جبل سنجار بأيزيدييه يعاني الأمرين. داعش هنا وظيفتها إنقاذ النظام فقط.

تمسك الإيرانيون بالمالكي، فهو موظفهم المطيع، ولكن سيطرتهم تكاد تتلاشى فأُمر المالكي بالتوقف عن الكذب بخصوص الدستور وشرعيته والرحيل، ودُفع بحيدر العبادي ليكون البديل. لكن الثورة لم تتوقف، ومطالب الفئات المتضررة وعبر ممثليها قالت بتحقيق المطالب الأربعة عشر وسواها، أي مطالب اعتصامات الرمادي والعراق، والتي رفضها المالكي وشن معركة شرسة عليها ولكنها فشلت. وزاد في الطين بلة اندلاع ثورة عارمة، واجهها باستحضار داعش وبإصدار الأوامر للفرق العسكرية بالفرار.

الإيرانيون والأميركان أتوا بالعبادي، ولكنهم ما زالوا يناورن، وقد دفعوا بأبو ريشة والصحوات مجدداً للإعلان أنها مع الحكم وأنها ستحارب داعش. يريد حلف الممانعة والشيطان الأكبر بذلك تخفيف الضغط العشائري والثوري عن الحكم، هذا اللعب لن يفيد كثيراً، فهناك كوارث إرث الاحتلال الأميركي للعراق، وهناك طائفية فاشية كرسها الحكم ولاسيما المالكي، ودون تفكيكها ووضع حد للعملية السياسية بأكملها وإلغاء قضية الطائفية، لن تُخْمَدَ النيران العراقية.

تتعرض الثورة للضغط كذلك من الدول المحيطة بالعراق ومن أميركا وإيران كي تقبل بلعبة المكونات. ويطرحون عليهم حذف المواد الخاصة بالبعث أو الجيش، ولكن هذا كله إمعان في تجاهل مطالب الثورة وحقوق الناس.

ربما تقبل بعض العشائر، وربما يتم تطويع بعض قادة المجالس العسكرية والضباط المشاركين في الثورة، وربما تبدأ عملية رتق للعملية السياسية، ولكنها لن تكون قادرة على الانتقال بالعراق نحو دولة تمثل كافة العراقيين وتبعد عنها الهيمنة الإيرانية والأميركية.

الثورة، وبعد إنجازاتها وانتصاراتها، أحست بقوتها وهي لن تتخلى عن مطلب بناء دولة لا مزرعة. تريد العراق بلدا قويا وديمقراطيا كذلك، وهذا لا يمكن أن يتحقق بالرتق، بل يتحقق بتغيير كامل في السياسات بدءاً بشكل الحكم بأن يصبح وطنياً، ومروراً بالاقتصاد وإنهاء حالة الفساد، والبدء بدستور بلا مواد استثنائية، وانتهاء بحل كافة الميليشيات الطائفية. هذا هو الهدف الحقيقي.

الضربات الأميركية ولو بُدء بنظام جديد لن تتوسع، ولكن قوى الثورة والنظام والصحوات بدأت تعد العدة لمحاربة داعش، وستتم محاصرته والتقليل من وجوده وإن لم يتم التخلص منه نهائياً. وبالتالي سيعود إلى ما كان عليه قبل 2011، كتنظيم خاص لفئات مغلقة وأصولية وإجرامية. وربما سينتقل إلى سوريا ليقيم دولة خلافته.

الأميركان الذين شعروا بغباء سياساتهم في العراق، وبتحكم إيران في العراق، وكأنهم سلموه لها، لا زالت عقلية الاستشراف تتحكم بفهمهم لكل شعوب المنطقة. تدميرهم للدولة وتشكيل مجلس الحكم طائفياً دفع بالعراقيين نحو تشكيلاته البدائية، ولكن هذا لا يعني، أنها صارت الممثل السياسي عنهم أو أنها هي سبب الثورة، ما لم يتم إنهاء العقلية الاستعمارية هذه للعراق، سيصبح العراق بلداً فاشلاً بالكامل وستتعرض المصالح الأميركية لخطر الحروب المستمرة.

إن تشكيل النظام السياسي على أساس المكونات الطائفية والقومية بما يخص الكرد، سيكون نظاماً هشاً، هذا إن قبلت به قوى الثورة، فهو سيحددها بأنها ممثلة للسنة، ويمكن أن تعطى جزء من الحكم ولكن ليس الوزارات الرئيسية، هذا المنطق تعرفه قوى الثورة، وترفضه بتياراتها الرئيسية، فهو لن يكون سوى النظام القديم مع رتق له ببعض الممثلين سرعان ما سيفسدون.

الثورة أمام خيارات صعبة، فرغم وجود الصرخي لم تمتد إلى الجنوب، ورغم وصولها بغداد إلا أن سيوف البغدادي في خاصرتها، ورغم التأييد الشعبي إلا أنها مبتلاة بالبعثيين وبممثلي الشعائر، ومع ذلك الطرف الخصم لها لم يغير من طريقته لإدارة البلاد، وها هي الكتل الشيعية تجتمع والكرد كذلك، وبالتالي لا يتركون أمام الثورة إلا التمثيل السني، فهل تقبل بذلك؟

الثورة الآن لم تعد في مكانة قوية، فالدولة المحيطة تعمل وفق المشيئة الأميركية، والأميركان يهددونها بالسحق عبر ضربات سخيفة لداعش، والنظام الآن بالنسبة إلى الكتل الشيعية غيّر المالكي! إذن ماذا تريدون؟

هناك مطالب كبيرة للثورة، ولكنها مشتتة بين العشائر، وبين القوى السنية والمجالس العسكرية وبعض القوى السياسية، وبالتالي لا تمتلك برنامجا محددا، هذا الوضع وعدم ظهور أي تمثيل سياسي أوسع لكل هذه القوى، سيجبراها على الاشتراك في لعبة المكونات. وكما قلنا إن دخلت فيها فهي خاسرة بالمعنى الطائفي، فالكتل الطائفية الشيعية مدعومة من إيران وأميركا.

قد لا تستطع الثورة العراقية تحقيق أهدافها ببناء دولة عصرية ونظام يمثل المواطنين وفق مبدأ المواطنة، ولكنها ستخفف من التدخل الخارجي، وستعلب دوراً إيجابياً لإيقاف التدخل الطائفي العراقي في سوريا، وقد تطرح داعش على بساط البحث جدياً ليس في العراق بل وفي سوريا، وطبعاً ستتحقق جزءا من مطالب أهل الأنبار، والتي في جزء منها مطالب كل العراقيين.


كاتب سوري

8