قراءة في فرضيات علي الوردي: القبلية تعود تحت عباءة المذهبية

الأربعاء 2014/07/23
العراقيون على اختلاف مذاهبهم مصرون على التعايش ونبذ الاقتتال الطائفي

تعتبر دراسة علي الوردي للشخصية العراقية هي الأهم من نوعها ومن الممكن الاستفادة منها كمنهج للبحث في الوقت الحاضر. وحلل علي الوردي الشخصية العراقية على اعتبارها شخصية ازدواجية تحمل قيم متناقضة هي قيم البداوة وقيم الحضارة، وهذه الازدواجية بين البداوة والحضارة تتطور وتتغير بتغيرات المعطيات على أرض الواقع، والصراع الدائر في العراق اليوم تحركه تلك الرواسب التي تحدث عنها الوردي لكن بثوب طائفي.

الوضع العراقي الراهن بما يوفره من تداخلات سياسية واجتماعية ودينية، يدفع نحو العودة إلى أمهات كتب علم الاجتماع لفهم الظواهر وتبين دواعي نشوئها وغاياتها. هنا لا مفر من الاستناد إلى متن عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913- 1995) الموسوم “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي”، والصادر في بغداد عام 1965.

زمن صدور الكتاب قد يشير إلى قدمه أو تعرض أفكاره إلى التقادم، لكن جولة في فصوله تؤكد أنه مازال صالحا لفهم اللحظة العراقية الراهنة بكل تداخلاتها. الوردي الذي حلل المجتمع العراقي بدءا من مرحلة البداوة القائمة على القبائل البدوية وتطور الحياة المجتمعية وظهور الحدود والكيانات السياسية الجديدة (ما بعد سايكس- بيكو) ومنها دولة العراق الحديثة.

هذه التحولات أخضعها علي الوردي إلى البحث الاجتماعي مستلهما في ذلك الإرث الخلدوني. لذلك ظلت كتبه صالحة ومفيدة ومهمة إلى اللحظة، رغم ما أثارته من سجال ونقاش إبان صدورها.


فرضية الصراع بين البداوة والحضارة


يعيش المجتمع العراقي بين نمطين من الثقافة، أحدهما قادم من الصحراء المحاذية لمدنه، والثاني هو بمثابة ثقافة منبثقة من ثقافته التاريخية، ما جعله يعيش صراعا ثقافيا واجتماعيا ونفسيا، عانى منه على امتداد تاريخه الاجتماعي، وبالتالي فهو يقع تحت تهديد البداوة المتربصة به، وفي الوقت نفسه يعاني من عدم تكيف أبنائه، وتَمثُّلِ تلك الثقافة الوافدة عليه من الصحراء بكل معانيها وتفاصيلها، لأنّه منتج للحضارة في بيئته الخصبة، لارتباط تكوينه الحضاري أصلا بوجود نهري دجلة والفرات.

عملت الظروف الصعبة التي مر بها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن على بلورة تداخل عجيب بين الفردية والتخندق الطائفي والعشائري

ويرى الوردي في كتابة “طبيعة المجتمع العراقي” (1965) أنّ وجود المجتمع بين نمطين جعله قلقا وغير مستقر، ويمكن اعتباره مجتمعا حائرا بين طريقين متعاكسان لكل منه قيمه، ما يجعله يمثل سلوك الأول تارة، ثم ما لبث أن يمثل سلوك الثاني تارة أخرى.

في عام 1974 قدم فرضية أخرى مكملة للأولى (فرضية: الصراع بين البداوة والحضارة1965 و1974) وتحمل المضمون نفسه لكن بشكل آخر، وفحواها أنّ المجتمع العراقي عاش فترة طويلة مظلمة تحت الحكمين المغولي والعثماني، اقتصر دور الحكومات فيها على جمع الضرائب، فتركت الناس يفعلون بأنفسهم ما يشاءون حتى سادت حالة الغزو بين القبائل، فأجبر الناس على التمسك بالعصبية القبلية للحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم، وحصل الشيء نفسه في المدن، فظهر زعماء محليون على غرار زعماء العشائر، فتعطل القانون في ضبط الأمن وحلّ محله العرف العشائري.

وبقي هذا الوضع سائدا حتى منتصف القرن التاسع عشر، إذ بدأ ينمو تيار حضاري جديد تأثر بحضارة الغرب، وبرز مع تشكيل أول سلطة حكومية حديثة بعد الحرب العالمية الأولى بطريقة لا يكمن مقارنتها بما كان عليه الحال قبلها. وقد ساعد ذلك الحكومة في الحصول على أسلحة حديثة من طائرات ومصفحات ومدافع، ما جعل السكان غير قادرين على مواجهة هذه القوة كما كان الحال في الماضي، ووجد سكان المدن والريف أنفسهم مهددين من خطر خارجي (غريب عنهم دينا وثقافة)، الأمر الذي استدعى اتحاد الثقافة الحضرية والريفية ضد حضارة وافدة هي الحضارة الغربية.


تغير العلاقات


على إثر التطور الحاصل على مستوى البنية الاجتماعية، لم تعد القبيلة في المرحلة الحالية تفرض سيطرتها الكاملة على أفرادها، وأصبحت السلطة فيها لا تتجاوز الإلزام الأخلاقي والمعنوي الذي لا يحمل إلزاما كاملا، مع انتشار التعليم والأفكار الوطنية التي فرضت نفسها على الأفكار المحلية العشائرية بعد عام 1958، ولاسيما في سبعينات القرن الماضي، ومع تراجع المجتمع حضاريا وضعف الدولة، عادت القبيلة للظهور، ولكن ليس بالنظام القبلي العصبوي التقليدي، حتى أصبحت العلاقات بين أبنائها اليوم تقوم على المصالح الفردية أكثر ما تقوم على مصلحة وحدة العشيرة، ويظهر ذلك في الأزمات الحادة، حينما يلجأ إليها أبنائها للحفاظ على أرواحهم كما حصل ما بعد عام 2003.

الازدواجية بين البداوة والحضارة طاغية على الشخصية العراقية

من جهة أخرى، ارتبط التغير المفصلي في العلاقات الاقتصادية داخل القبيلة البدوية بتحولها إلى عشائر زراعية، فتغيرت وسائل الإنتاج وعلاقاته، وتفتت الملكية الجماعية للقبيلة إلى ملكيات مجزأة لأسر ممتدة امتلكت الأرض لنفسها.

أمّا علاقاتها المعنوية ( الحسب والنسب) فقد بقيت تدور في فضاء العشيرة الكلي، كما أن أبناء أجيالها الجديدة، أصبحوا غير منصاعين لأوامر الشيخ، بعد أن حققت أسرهم نوعا من الاستقلال الاقتصادي، ونال الكثير منهم قسطا وافرا من التعليم، وهاجر قسم منهم إلى المدينة، بالإضافة إلى مصاهرتهم لبعض الأسر الحضرية.

أمّا على مستوى العلاقات الاجتماعية والثقافية، فمن السهل أن نلاحظ أنّ المدينة العراقية، ولاسيما العاصمة بغداد، قد شهدت حالة تحضر كبيرة في فترتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وكذلك تميّز الأسر الحضرية بسمات معينة في التحديث وأساليب الحياة المدنية، إلا أنّ الأمر لم يعد كما كان، فقد أدّت الهجرة الريفية في مراحل مختلفة إلى كثرة الريفيين في المدينة، ومع هذا كان الريفيون في بدايات هجراتهم يعرفون حدود مساحتهم الثقافية إزاء المظاهر الحضرية السائدة في المدن، وبعد سلسلة من الحروب والأزمات، تراجعت الحضرية، وتكسرت الحواجز بين مناطق المدينة التقليدية حضرية- ريفية ، حتى ظهرت في المرحلة الحالية ظاهرة “ترييف” المدينة، لنخلص إلى القول إنّه لم تعد المدينة مدينة حضرية خالصة، ولم يعد الريف يحمل صفات الريف بشكله البنيوي، وبالتالي غياب حدود الصراع التقليدي بينهما.

شكل جديد للصراع

وفق هذا المنهج، نصل إلى حقيقية، مفادها أنّ التأثير الثقافي بين البداوة والحضارة بدأ يظهر بطريقة جديدة في المؤسسة الاجتماعية والسياسية الّتي يحمل أفرادها تراثية ريفية من حيث العصبية، وقوى حضرية انعزلت مقابل الزخم الريفي، ولهذا لا يمكن القول إنّ الشخصية العراقية في الريف والمدينة قد تخلصت نهائيا من الثقافة البدوية، إلاّ أنّ الشيء الجديد الذي بدأ يتفاعل ولاسيما بعد 2003، هو الاصطفاف الطائفي، فالعشائرية عادت مختفية تحت عباءة الطائفية، حتى أن هذا الصراع اشتد ولاسيما في المجال السياسي بين السنة والشيعة.

صراع لا يحمل بذرة الاختلاف العقائدي عند عامة الناس، بقدر ما يعبر عنه بطريقة (عشيرة السنة) و(عشيرة الشيعة)، وهذا ما يمكن لمسه عند أبناء العشيرتين، بعيدا عن التفسيرات السياسية بأبعادها الراهنة. هكذاإذن نصل إلى حقيقية مفادها أنّ فرضية الوردي أكّدت أنّ التأثير الثقافي بين البداوة والحضارة بدأ يظهر بطريقة جديدة، فالّصراع اليوم تحركه تلك الرواسب التي تحدث عنها الوردي لكن بثوب طائفي.

الازدواجية في الشخصية العراقية

الثابت أنّ مجمل التغيرات التي مرّت على الشعب العراقي تركت بعض الترسبات والتناقض، حيث ذكر الوردي أنّ الإنسان يسلك سلوكا متناقضا دون أن يشعر بذلك في سلوكه، وهو ينشأ عن وقوعه تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم أو المفاهيم، فهو يتأثر بأحد النظامين تارة وبالآخر تارة أخرى.

رائد العلمانية في العراق
علي حسين محسن عبد الجليل الوردي (1913- 1995م)، وهو عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ وعرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق. بالإضافة إلى تأثر الدكتور الوردي بابن خلدون فلا ننسى تأثره أيضا بالجاحظ في نظرته الموضوعية ومنهجه العقلاني وتحليلاته الاجتماعية والنفسية للسلوك البشري.

وقد اشتق الوردي فرضيته هذه من نظرية عالم الاجتماع روبرت ماكيف، وعمد إلى تأكيد أنّ الازدواجية الّتي يقصدها هي الازدواجية الاجتماعية وليست تلك الازدواجية التي وردت في أدبيات ودراسات علم النفس الّتي تصنّف كحالة مرضية.

ويرجع أسباب ذلك أيضا إلى تلك النزعة الجدلية الفلسفية التي تحلى بها الفرد العراقي عبر التاريخ وجعلته مثاليا أمام غيره؛ فهو ميال للإطلاع والقراءة، ويمتلك سعة الأفق من الناحية الذهنية، إلاّ أنّك من ناحية أخرى تجده مشتت الأفكار لا يستقر على رأي لفترة طويلة،.

كما أن الوردي يرى أنّ هذه النزعة تجعل الفرد العراقي يطلب من الآخرين أعمالا وواجبات هو نفسه لا يقدر عليها، فهو يطالبهم بحقوق دون أن تكون له القدرة على أداء واجبه نحوهم، كما أنّ التنشئة الاجتماعية في المدن تعلم الفرد أن يكون شجاعا أمام البشر وضعيفا تجاه القدر. كما يرى أيضا أنّ الفرد يواجه نظامين من القيم؛ الأول تُنمّى فيه النخوة والعصبية وحقّ الجيرة، أمّا الثاني فتتنامى فيه قيم الفردية والحرية والمساواة.

قراءة جديدة

بناءا على الشواهد الميدانية، ما تزال هذه الازدواجية تظهر لدى أجيال الآباء أكثر من ظهورها عند الأجيال الجديدة المتأثرين بنمط الحياة العصرية الواصلة إليهم عبر قنوات الاتصال والاحتكاك الحضاري، إذ أن هذه الأجيال الجديدة (أجيال الإنترنت) يظهر أنّ لديها رأي آخر قد تجاوز مسألة التأثر بوجود نظامين من القيم.

فقد عملت الظروف الصعبة التي مر بها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن على بلورة تداخل عجيب بين الفردية والتخندق الطائفي والعشائري الكلي؛ فمع تنامي الحضرية في مرحلة السبعينات وبالتوازي مع ارتفاع أسعار النفط وبناء تجارب تنموية مثمرة، تلاشت نسبيا صورة الازدواجية في الشخصية العراقية.

غير أنّ المجتمع العراقي بعد عام 2003 تحوّل إلى مرحلة مختلفة كليا عن الفترات السابقة أنتجتها الظروف الصعبة والانفلات الأمني وظهور تطور سياسي جديد قائم على التعددية السياسية، وما نتج عنها من نظام جديد قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية السياسية، وهو ما فتح المجال ثانية أمام ازدواجية جديدة بين قيم المواطنة وقيم الثقافات الفرعية.

في ذات السياق، وانطلاقا من النتيجة التي توصّل إليها الوردي من خلال فرضية لعالم الاجتماع الأميركي وليم اجبرن، تفيد بأنّ العناصر المادية من الثقافة تتغير أسرع من عناصرها غير المادية، حاول تطبيقها على التغير في المجتمع العراقي، يفترض الوردي أنّ “من طبيعة التغير السريع أنّه لا يؤثر في جميع أجزاء الكيان الاجتماعي بدرجة واحدة ، فكثيرا ما يكون هناك جزءان مترابطان ثم يحدث التغير في أحدهما دون أن يحدث في الآخر، أو هو قد يحدث في أحدهما أسرع ممّا يحدث في الآخر، فيؤدي ذلك إلى صراع أو توتر أو تناقض بينهما”. حيث أنّ الوردي اعتمد في فرضيته على متغيرات عدة، أولها أن الفرد العراقي يطالب بحقوقه التي تقع على عاتق الحكومة دون قيامه بواجباته اتجاهها.

وثانيها، ازدياد عدد المدارس وعجز الدولة عن استيعاب خريجها. وثالثها تأثر الشباب العراقي بالإعلام وما يطرحه في ما يخص اختيار شريك الحياة، فهو في ميل إلى الاختيار المبني على العلاقة العاطفية المسبقة، لكنّه حينما يريد أن يتزوج يلجأ إلى الأنماط التقليدية في الزواج، القائمة على اختيار العروسة من قبل الأهل.

الظروف الصعبة والانفلات الأمني وظهور تطور سياسي جديد قائم على التعددية السياسية أنتجت نظاما جديدا قائما على المحاصصة الطائفية

أمّا رابعها، فهو عدم مجاراة رجال الدين للتغير الفكري في العصر الحديث. ممّا أنتج “تناشزا اجتماعيّا” في المرحلة الحالية بصور عدة، فالفرد يريد الدولة المدنية وفي الوقت نفسه يكرس الطائفية وينتخب على أساس ذلك. كما أنّه يسعى لنيل حقوقه من الدولة، ولكنه لا يؤدي دوره إزاء مؤسساتها من خلال عدّة مظاهر وسلوكيات. حيث أنّ الفرد العراقي، يريد من العشيرة أن تقف إلى جانبه، وهو في الوقت نفسه عندما يسكن المدينة أو يكون في وضع أفضل لا يؤدّي دوره إزاء أقربائه. كما أنّه يريد علاقات اجتماعية مبنية على المواطنة، ولكنّه يرجع إلى تراثيته الطائفية أو العشائرية في تعامله مع الآخرين.

أمّا على مستوى السلوك الديني ففي كثير من الأحيان نجد الفرد يتمنطق بالمثل الدينية، ويطلب من الغير تمثيل ذلك في سلوكهم، دون أن يلزم نفسه بذلك.

كما يتحدث الفرد عن الذوق والسلوك الحضري، ويدعي المساواة وعدم الانحياز والتصرف بلياقة حضرية في المواقف المختلفة، ويريد من الناس التخلص من العشائرية والطائفية ويمقتها، وهو نفسه لا يقوم بذلك.

وبالنظر إلى كل ما سبق، فإنّ إنتاج فرضية جديدة سيمر أساسا عبر التنامي الذي تشهده ثقافة أجيال الإنترنت، والذي سيؤدّي إلى ضعف الصراع بين الأجيال ليحل محله الانقطاع التام بينها، (أي إنّ نصائح الآباء تدخل آذان أبنائهم اليمنى وتخرج من آذانهم الشمال)، وقد يشكل الأبناء ثقافة عابرة لكل التقليديات، أو إعادة قراءتها بشكل مختلف عن الآباء.

6