قراءة في مبادرة الشيخ معاذ الخطيب

الثلاثاء 2014/08/05

لاقت الكلمة المصوّرة لرئيس الائتلاف السوري المعارض السابق معاذ الخطيب، والتي بثها عبر صفحته على الفيسبوك، ضجةً كبيرةً في أوساط المعارضين السوريين. اختلفت الآراء في ما قاله الشيخ، فمنهم من رأى فيه خطابا مثاليّا رومانسيّا بعيدا عن الواقع، وتهكم بعضهم على الخطيب طالبا منه بأن يبقى شيخ جامع، ويبتعد عن الحياة السياسية التي لا تحتاج إلى مخاطبة العواطف، وإنما مخاطبة العقول حسب رأيهم، بينما ذهب بعضهم الآخر إلى اتهام الخطيب بالخيانة والسعي إلى المصالحة مع النظام والعودة إلى حضنه، وعبّر قسمٌ آخر عن رأيه في كلمة الخطيب قائلا إنه خطاب رزين متوازن بعيد عن الحقد والعنف، وربما يشكل حلا لكل السوريين إذا ما أخذ به الموالون والمعارضون.

نعم لقد كان ما قاله الشيخ خطابا عاطفيا بعيدا كل البعد عن أن يكون مشروعا سياسيا واضح المعالم، ولكن، وهذا الأهم برأينا، لقد كان أيضا خطابا وطنيا جريئا، فلأول مرة تقوم شخصية سياسية واجتماعية معروفة بنعت المعارضة “الائتلاف” والنظام بالارتهان للمشاريع الإقليمية، وتدعو السوريين، سواء أكانوا معارضين أم موالين، للتوحد في وجه هذه القوى الإقليمية.

ومن اللافت للنظر، وربما كان الأهم، في ما قاله الشيخ معاذ الخطيب في كلمته والذي لم ينتبه إليه إلا القلائل، هو أنه يُمثل قطاعا واسعا من “السنة” في سوريا لم تختطفه بعد الأفكار الجهادية المتطرفة والمشاريع الإقليمية الطائفية. هذا القطاع الذي لا يشكل فقط أغلبية سنية، وإنما سورية بكل المقاييس، يُشكل الضامن الوحيد للهوية السورية الوطنية، ليس لأنهم “سنة” بل لأنهم، تاريخياً، كانوا يمثلون الأغلبية العددية للسوريين.

وهذا التفوق العددي والإحساس بالأغلبية أعطاهم ارتياحا، وثقة بالنفس، وكانوا أكثر انسجاما مع الواقع وبعيدين عن الطائفية لأنهم ببساطة ليسوا بحاجة إليها تحت أيّ ضغط ناتج عن قلقٍ وجودي وانغلاق على الذات الملازم عادةً للوضع الأقلوي، ولاسيما من تعرض للظلم من الأقليات. إن موقف السنة في سوريا من الثورة يؤكد ذلك، فقد خضع في مناطق عديدة لاعتبارات طبقية (انقسامات أفقية)، وليست عصبوية طائفية (انقسامات عمودية) كما هو الحال في موقف الأقليات بشكلٍ عام.

وبناء عليه لا يمكننا اعتبار السنة كتلة واحدة صماء مناهضة لنظام الأسد، بل على العكس نجدهم منقسمين على أنفسهم. فالواقع يشير إلى أن الطبقات السنية الحلبية والشامية لم تشارك في الثورة قط، لا بل إن تحالف برجوازيتها مع النظام الحاكم، كما هو حال بعض سكان المناطق الشرقية ورجال الأعمال وبعض العشائر في الرقة ودير الزور، ساعدها على الصمود أمام الثورة حتى الآن.

مرة أخرى يؤكد السُنة، ومن خلال كلمة الشيخ معاذ الخطيب، أنهم لم يشكلوا يوما طائفة متماسكة، ولا يمكنهم أن يكونوا طائفة واعية بذاتها ولذاتها وأنهم أغلبية اجتماعية وليست سياسية. فغياب الشعور الأقلوي يعطيهم إحساسا بالحرية وبأنهم قادرون على ملء أي فراغ يريدونه بعيدا عن الطائفية والمشاركة مع من يريدونه دون خوف، لذلك فإن هذه الأغلبية السّنية في سوريا، المعروفة بوسطيتها واعتدالها، معنية اليوم أكثر من أي يوم آخر بالحفاظ على ذاتها وإدراكها لمكانتها وسعيها إلى بناء الهوية الوطنية. فربما الخطر الأكبر الذي تتعرض له اليوم، وهو ما أكد عليه الخطيب في كلمته، هو ليس فقط بطش النظام وإنما أيضاً محاولة تحويلها إلى مجرد طائفة تنحو إلى السلوك الطائفي بعد أن كانت، تاريخياً وحتى الآن، تسلك تجاه ذاتها وتجاه الجماعات الأخرى كأمة جامعة لمختلف مكونات الشعب السوري بطوائفه وأعراقه.

ربما نختلف مع ما قاله الشيخ معاذ الخطيب وربما نتفق، وربما سيذهب بعض اليساريين المعارضين إلى القول إن الخطاب يعبر عن شريحة من البرجوازية السنية ولاسيما الدمشقية التي طالما هادنت النظام الديكتاتوري، ولكن بالرغم من كل الملاحظات النقدية التي يمكننا أن نوجهها إلى مبادرة الخطيب ومثاليتها وبساطتها، فإن ما قاله يحمل في طيّاته دعوةً صريحةً لكل السوريين من جميع المشارب إلى إسقاط المعارضة والنظام المرتهنين للخارج لأن “سوريا أغلى من النظام ومن المعارضة وأغلى من كل شيء فيها”.

ربما يشكل هذا فرصةً أخيرة يجب علينا كسوريين، أولاً وأخيراً، انتهازها وتلقف كلامه المثالي وتحويله إلى مشروع سياسي وطني واقعي.


كاتب سوري

9