قراءة في نتائج الانتخابات المغربية: ثنائية حزبية تغير المشهد السياسي

الاثنين 2016/10/10
البحث عن أياد لتحالف صعب

بمجرد ظهور النتائج النهائية، خفت الجدال السياسي حول كسب رهان تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة، وانطلقت الأسئلة حول تقييم الحصيلة والنتائج التي ستقود إليها في الحياة النيابية المغربية، بحيث لم يكن متوقعا احتكار شبه كلي للحزبين المتنافسين على المشهد السياسي، وذلك بظهور ثنائية قطبية حزبية جديدة موزعة بين حزب له مرجعية إسلامية ويقود حكومة ائتلافية، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي يعد القوة الحداثية التي تنادي بالديمقراطية الاجتماعية والذي ما لبث أن برز كقوة سياسية رئيسية في الانتخابات البلدية، وهو يضم خليطا من التيارات والأيديولوجيات من اتجاهات وطنية وعلمانية وليبرالية وماركسية واشتراكية، و شريحة من الأعيان التقليديين، بحيث أخذ على عاتقه في الحملة الانتخابية التصدي لمد الإسلاميين، وكبح تقدم حزب العدالة والتنمية المغربي تحديدا.

بإجماع المراقبين، لئن نجح المسار الانتخابي المغربي في إضافة لبنة جديدة للصرح الديمقراطي، وتعزيز مصداقية خيار الناخبين في تمثيلية حقيقية لمختلف الفاعلين السياسيين في الساحة السياسية المغربية، فإن النتائج الرسمية المعلن عنها أكدت مشاركة ستة ملايين ناخب أي 43 بالمئة من كتلة انتخابية تصل إلى 16 مليون ناخب، وهي نسبة مشاركة متواضعة ساهمت في تكريس حزب العدالة والتنمية في صدارة الترتيب (129 نائبا من أصل 395)، مخولة إياه الحصول على ثلث المقاعد النيابية، بينما ضاعف حزب الأصالة والمعاصرة في عدد نوابه من 47 نائبا إلى 103 نواب، مما يضعهما حتما في صدارة المشهد السياسي المغربي بمجموع مقاعد يصل إلى 232 مقعدا، وهو ما يدعو إلى طرح أسئلة جديدة عن مستقبل التوجه السياسي للمملكة في تدافع هذين القطبين حول مسار السياسات العمومية والإصلاحات الاقتصادية والسياسية.

الانتخابات السابقة ميزتها ظاهرة انعدام حصول حزب واحد أو حزبين أو حتى مجموعة من الأحزاب المتجانسة على أكثرية نيابية تفرزها الصناديق

في ضوء ذلك، يمكن أن نقرأ تغييرا كبيرا سينعكس لا محالة على البيت السياسي المغربي، فالانتخابات السابقة ميزتها ظاهرة انعدام حصول حزب واحد أو حزبين أو حتى مجموعة من الأحزاب المتجانسة على أكثرية نيابية تفرزها الصناديق، مما دفع مختلف الكتل النيابية الكبرى إلى البحث عن تحالفات، وأحيانا اللجوء إلى عقد تحالفات غريبة، يتواجد فيها اليسار واليمين من أجل ضمان أغلبية لمختلف الحكومات المتعاقبة.

وهو الأمر الذي كان يدفع غالبا في اتجاه يقود إلى مصالحة وتنازلات سياسية متبادلة أو خفض جزئي لمنسوب المواجهة السياسية والأيديولوجية، إلا أنه من جهة أخرى لم يكن لهذه التحالفات طعم ولا لون بسبب انعدام أي تقارب سياسي وأيديولوجي بين هذه الأحزاب، وهو الذي كان يجعل التحالفات الحكومية لا تتصف بأي وحدة في الأسس والمنطلقات أو المشتركات. وكان المواطنون يشمئزون من ظاهرة الرحيل السياسي من حزب إلى آخر، وتغيير الألوان السياسية، والتي كانت تفتقد كل سند ومشروعية، ولم تكن تسمح بها قواعد الاقتراع. لذلك يطرح السؤال التالي: ما الذي تغير اليوم في الساحة السياسية المغربية بظهور الحزبين القويين؛ العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة؟

إن نظام الاقتراع السابق لم يكن يسمح لأقدم وأعرق الأحزاب نفوذا بالحصول على أكثر من ستين مقعدا في مجلس النواب (أي أقل من خُمس مقاعد المجلس)، وذلك في أفضل الحالات التي قد يحقق فيها انتصارات كاسحة، بحيث لم تكن الانتخابات تجري بنظام العتبة الحالي، بل إن نظام الدور الأول والوحيد، كان يكرس حالات توزيع أصوات مشتتة، تنجم عنها بالضرورة تمثيليات سياسية متشظية. ومن ثمة، كان السؤال حول معالجة هذا الوضع بالنسبة إلى المشرع المغربي.

وبدأت بالفعل محاولات إصلاح هذا الخلل عندما عمد المشرع إلى إجراء تعديل في الانتخابات بإدخاله حصة 90 مقعدا إضافيا تشكل ما يسمى بالدائرة الوطنية، يخصص ثلثاها للنساء (60 مقعدا)، والثلث الباقي لمرشحين آخرين من الرجال دون سن الأربعين سنة (30 مقعدا)، بحيث كان الهدف هو دعم الاقتراع باللائحة بدل نمط الاقتراع الأحادي الاسمي، والذي عرفه المغرب في جميع الاستحقاقات السابقة.

والواقع أن الاقتراع باللائحة أسلوب جديد على النظام الانتخابي المغربي، تظهر مصداقيته في فرز الأصوات، بحيث توزع المقاعد على أساس القاسم الانتخابي وإعمال قاعدة أكبر بقية. ومن شأن تطبيق هذه الآلية بشكل صحيح ودقيق تقوية النظام الديمقراطي المغربي على المدى الأوسط. وهو الأمر الذي ساهم سنتي 2011 و2016 في التقليل من السمة الفردية للمرشح نسبيا، وأن يتصدر الحزب المشهد السياسي عوض الفرد.

فالحزب ملزم بتغطية جميع المقاعد في الدائرة الانتخابية، وبغياب الفرد يظهر البرنامج السياسي، إذ غالبا ما يقترن الاقتراع الإسمي بقوة الشخص المادية أو الوجاهة الشخصية ومكانته القبلية والرمزية، وما يعنيه ذلك -رصيده المادي والمعنوي- من إمكانية للتأثير في ذمم المواطنين والضغط بشراء الأصوات.

بدأت محاولات إصلاح الخلل عندما عمد المشرع إلى إجراء تعديل في الانتخابات بإدخاله حصة 90 مقعدا إضافيا تشكل ما يسمى بالدائرة الوطنية

لكن هذا النمط كشف في نفس الوقت عن سلبيات بادر المشرع المغربي إلى معالجتها والتخفيف من آثارها، نذكر من أهم نتائجها التفتيت السياسي، بحيث يمكن للأحزاب السياسية الصغيرة إجبار الأحزاب السياسية الكبرى على الامتثال لرغباتها وتخييرها بين دعمها أو عرقلة مشاريعها. وبذلك تكشف المنظومة الحسابية للعمليات الانتخابية في هذا الإطار أنه كلما تم اعتماد عتبة مخفضة أدى ذلك إلى ارتفاع القاسم الانتخابي، وإذا تم رفع نسبة العتبة يتقلص معها بالضرورة القاسم الانتخابي، حيث يؤثر توسع أو تقلص القاسم الانتخابي في قِسْمة توزيع المقاعد برمتها.

عملا بهذا النظام الانتخابي وتأصيله في الساحة السياسية المغربية بدأت ثماره تنضج، بحيث أدت الساحة السياسية المغربية في انتخابات 7 أكتوبر إلى مشهد سياسي جديد تطبعه ثنائية سياسية تقطع نسبيا مع ظاهرة التشتيت السابقة التي طبعت الكيان السياسي المغربي طوال حقب ماضية، وذلك بظهور استقطاب ثنائي غير مسبوق، يمثله حزب إسلامي ذو أطروحات محافظة، استطاع بسط نفوذه في المدن الكبرى والمتوسطة، وكان ذلك بارزا من خلال استقطابه الطبقات الشعبية والمتوسطة من خلال خطاب شعبوي.

أما منافسه حزب الأصالة والمعاصرة فقد استطاع تكريس صورة المعبر عن الأوساط الليبرالية والحداثية، وأن يحظى بهيمنة واسعة في المجال القروي بفضل شبكة الأعيان الداعمة له، فالمجال القروي لا يمثل إلا 45 بالمئة من إجمالي المقاعد الانتخابية، بالإضافة إلى ظهوره اللافت في منطقة الريف الشمالية، إذ نجح في جمع شرائح واسعة من البورجوازية الصغرى التي تخشى على الحريات الفردية وتراجع المكاسب التي حققتها الحركة النسوية المغربية.

باحث في جامعة السوربون

7