قراءة ما لم يكتب بعد

الاثنين 2015/06/08

مَن هو الناقد الفني في عالمنا العربي؟ سؤال صار يحيرني وأنا الذي عملت في ذلك المجال لمدة خمس وثلاثين سنة بطريقة المحترفين. نعم، لم تكن الكتابة في مجال الفن هواية أمارسها في أوقات الفراغ. كنت ولا أزال أكتب يوميا في سباق مع الزمن الذي يفرض تغيّراته في كل لحظة عيش.

كلما رأيت معرضا فنيا عظيما كنت أتمنى لو أن حشود القراء كانت معي لتزداد علما ومعرفة وحساسية وتفتحا. وكلما كتبت عن ظاهرة فنية جديدة أشعر بسعادة من يؤدّي واجبه بما يجعله وفيا لعهد شخصي قديم.

فالنقد الفني وإن كان يقع دائما في دائرة سوء الفهم، هو محاولة أخرى لتحرير الفن من أطره التقليدية، وهو نوع من المضي بالفن إلى حافة المغامرة.

الناقد وهذا ما تعلمته وحرصت عليه ليس حكما وليس مروجا، ومع ذلك يدفعه انحيازه للجمال والخبرة والمهارة والخيال والأداء الرفيع غالبا إلى أن يشهر عن غبطته، كما لو أن الفنان قد جلب له السعادة؛ وهو بالضبط ما تفعله الأعمال الكبيرة، قد تشفع له حماسته تلك الوقوع في أخطاء طفيفة.

ومع ذلك تظل أخطاء الناقد -إن وقعت بعيدا عن القصد المبيت- نوعا من الاجتهاد. يخطئ الناقد أحيانا في الحكم، فهو كما قلت ليس حكما، وذائقته تظل دائما شخصية، لا علاقة لها بما يجده الآخرون جميلا ومؤثرا.

لذلك ينبغي النظر إلى ما يكتبه الناقد بعيدا عن إطار ما يسمى بالموضوعية، فناقد الفن بسبب شغفه الروحي بالجمال هو كائن غير موضوعي، لذلك فإنه لا يلزم أحدا بآرائه.

وهي آراء، الصواب أو الخطأ فيها يظل موضع التباس، وفي المقابل يكمن الدور الحقيقي للناقد في قدرته الاستثنائية على اكتشاف ما كان الفنان يودّ انجازه ولم يصل إليه، وهي قدرة حدسية لا يمتلكها سوى من قُدّر له أن يقرأ ما لم يُكتب بعدُ من خلال غوره عميقا في ما كُتب.

كاتب من العراق

16