قراء الصحف مازالوا أوفياء

الأربعاء 2014/03/19

سنجد تأكيد هذا الوفاء في تدفق مئات من القراء هذا الأسبوع على مبنى صحيفة ليبراسيون الفرنسية بعد أن فتحت أبوابها للجمهور في تظاهرة تعاطف ومحاولة لإنقاذها من أزمتها.

دلالة التدفق لا تكتفي بالمئات من الجمهور الذي ازدحم به المبنى بما فيه آن هيدالغو مرشحة الحزب الاشتراكي لرئاسة بلدية باريس، بل بالقيمة التي تمثلها الصحيفة الورقية لقرائها، فثمة من يدافع عن رائحة الورق وملمسه بين الأصابع ويخلص لطقوس قراءة الصحيفة، غير مبال بالتصاعد المطرد للصحافة الرقمية.

ومن قال إن الصحف الورقية آيلة إلى الزوال؟ حادثة التعاطف مع ليبراسيون تجيب عن نصف هذا السؤال.

فهذه الصحيفة التي أسسها جان بول سارتر عام 1973، تعاني من أزمة بين هيئة التحرير والإدارة التي تسعى إلى إعادة هيكلتها بعد تراجع توزيعها. الأمر الذي يعني توقفها بشكل تدريجي عن الطباعة والاكتفاء بموقعها الإلكتروني على الإنترنت.

القراء في مشاركتهم يوم عمل مع المحررين في ما يشبه التظاهرة عبروا عن ألمهم جراء تراجع توزيع الصحيفة، متسائلين عن البدائل التي يمكن أن تقدمها الدولة لبقاء صحيفة أرخت لتاريخ فرنسي ودولي حافل بالأحداث.

ومع أن التظاهرة كانت أقرب إلى الحزن منها إلى أي احتجاج آخر، إلا أن مدير التحرير فابريس روسيلو، عبر عن تفاؤله بمستقبل المطبوعة أمام قرائها الأوفياء.

تمنحنا أزمة ليبراسيون مساحة لعرض المشهد الرقمي والورقي بغير ما هو سائد الآن على أساس أن الصحافة الرقمية تركت خلفها المطبوعة بمسافة يستحيل بعدها اللحاق بها.

وهذا كلام واقعي إلى حد كبير، لكن ثمة الكثير ممن ظلوا مخلصين لاقتناء صحيفته المطبوعة، الأمر الذي تؤكده سلاي بيلي الرئيس التنفيذي لدار نشر “ميرور- ترينيتي ميرور” بقولها إن الاستثمار يجب أن يكون في “القراء الأوفياء” للصحيفة تحديداً لأنهم على استعداد لدفع المزيد من الأموال من أجل اقتناء الصحيفة!

فيما يبدي سيمون جنكنيز سروره لقارئ عموده الصحفي على موقع صحيفة “الغارديان”، لكنه سيكون مسرورا جداً، لو كلف هذا القارئ نفسه الجهد والمال البسيط لشراء الصحيفة الورقية من الأكشاك، أو اتفق مع صبيان الصحف الذين يوزعونها صباح كل يوم من على دراجاتهم الهوائية.

يستعين سايمون جينكنز بصورة شاعرية عندما تمتزج رائحة الحبر مع رائحة الأشجار أمام المنازل عند توزيع الصحف. لكنه يكتب وبشكل “فظ” إلى حد ما، عندما يتهم القارئ على الإنترنت بالإسهام في خسارة الصحيفة، “إنك تقرأ مجاناً، لا تدفع شيئا مقابل ما أعرضه عليك”، ويصبح أكثر توترا عندما يستعيد جملة الشاعر والموسيقي جوني كاش “يلعن عيونك!!” (damn your eye) تحولت شتيمة الغزل الغنائي هنا إلى منقذ للتعبير عن فكرة، ألا يكون كل ما هو متاح على الإنترنت مجانيا.

طبيعة حياة سايمون جينكنز الذي يكتب عمودين في صحيفتي الغارديان وايفينغ ستاندر، تكاد تمنحنا صورة عن جيل بقي مخلصا لطقوس قراءة الصحيفة في زمن رقمي كاسح، فهو يقتني مجموعة من الصحف يوميا ويذهب إلى رواق فندق قريب من منزله صباح كل يوم ليطالعها بروية وتلذذ، ومعظم أفكار مقالاته تولد هناك، فهو يكتب في الشأن المعماري لبناء مدينته مثلما يعالج الواقع السياسي الدولي وإلى حد ما الثقافي.

سنجد معادلا لإخلاص جينكنز “الورقي” في كل المئات الذين تفاعلوا مع أزمة الصحيفة الفرنسية وهم يدخلون مبناها هذا الأسبوع، ألا يكفي ذلك لإبقاء الطريق مفتوحا أمام مستقبل الصحف الورقية وإن ضاق في نهايته.

18