قرابين المصالح والعنف

السبت 2014/10/11

لم يكن دخول داعش إلى كوباني بعد حصار دام ثلاثة أسابيع بسبب ما تملكه هذه المجموعات من عتاد ورجال، أو تتصف به من شراسة تسمى لدى بعضهم إيمان، أو لضعف المدافعين عنها، بل لأسباب أخرى، أكثر فاعلية، خاصة في هذا الظرف المتشابك حيث المصالح والأهداف التي تعمل من أجل تحقيقها كل الأطراف الدولية والإقليمية.

كان لإعلان حزب الاتحاد الديمقراطي، الحليف الكردي السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا، عن مشروع الإدارة الذاتية في المناطق الكردية السورية أثره على ردود أفعال جميع الأوساط، الكردية السورية والعراقية، والتركية بالدرجة الأساس، والنظام السوري، والدوائر العالمية، وإن بدرجات متباينة، بين رافض بشدة، تركيا مثالا، ومتحفظ: أكراد سوريا والعراق، وخاصة الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، والمتواطئ رغم عدم مشاركتها في الغزو، النظام السوري مثالا.

تركيا خشية من امتداد التجربة إلى الداخل التركي حيث يوجد حوالي عشرين مليون كردي، وبسبب إدارة المشروع من قبل حلفاء الحزب المعادي لها والتي تُعده إرهابياً وتحتجز زعيمه عبد الله أوجلان منذ 15 سنة.

وكل ذلك لأسباب ظاهرة وخفية، موقف الأحزاب الكردية السورية المحسوبة على الديمقراطي الكردستاني في العراق، لعدم مشاركتها في المشروع والمخالف لكل ما تطرحه من حلول للقضية الكردية في سوريا. وموقف النظام السوري بقصد ضرب الأكراد بعضهم ببعض، وإقلاق أمن تركيا التي اتخذت موقفاً معادياً له ومناصراً للثورة منذ بدايتها، وراحت تدعم بأشكال مختلفة المعارضين للنظام، وتصبح حاضنة للمعارضين، الائتلاف وغيره. ولذر الرماد في عيون فصيل مناصر له، ومواقف الدول الكبرى التي رسمت سياساتها ضد هذه التجربة بناء على مواقف هذا الحزب من الثورة وعلاقته مع النظام المحايد في موقف، والموالي في مواقف.

ما لم يدركه كثيرون، أن حزب الاتحاد الديمقراطي، لم يول المشروع القومي الكردي ما بنت عليه الأطراف المناهضة له مواقفها، فهو لم يطرح مشروعاً قومياً كردياً في سوريا، كما فعلت الأحزاب الكردية السورية منذ انطلاقتها الأولى في حزيران 1957 تاريخ تأسيس أول حزب كردي سوري باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، الـذي رفع شعاراً عاطفياً غير واقعي هو: تحرير وتوحيد كردستان، ليجد نفسه بعد هذا التاريخ، ينقسم إلى أحزاب وصل عددها اليوم إلى أكثر من ستة عشر حزباً، ناهيك عن أحزاب أخرى كثيرة لم تولد من رحم هذا الحزب الأم.

من قرائن ابتعاد هذا الحزب عن المشروع الداعي إلى بناء دولة كردية، أو كردستان الكبرى، في سوريا اسم حزبه الذي يقتصر على الاتحاد الديمقراطي دون انتساب للقومية الكردية أو للوطن السوري، إذ نجده دائم الحرص على اعتماد اسم حزب الاتحاد الديمقراطي فقط، بلا كردي ولا حتى سوري أو في سوريا، مثلما تفعل الأحزاب الكردية في سوريا أو الأحزاب الكردية في دول الجوار، وبخلاف حاضنته حزب العمال الكردستاني.

وما يؤكد ذلك أن وثيقة ودستور كل كانتون أو إدارة ذاتية (الجزيرة، عفرين، كوباني) يكاد يخلو من أي إشارة لمشروع قومي كردي، أو حتى الشعب الكردي، ليخاطب أبناء المنطقة باسم أو صفة الأمة الديمقراطية، أو الشعوب الديمقراطية، وقد جمع في دوائره كل أطياف المنطقة من كرد وعرب وسريان وأرمن.

رغم تصدر هذا الحزب في تصديه لداعش أكثر من موقع، وإعلانه المتكرر عن الخطر الذي تمثله هذه الجماعات، إلا أن موالاته للنظام، جعل نداءه أشبه بالنداء الذي أطلقه الراعي لأهالي القرية لنجدته من الذئب الذي هاجمه حقيقة بعد أن كذب في المرتين السابقتين ففقد مصداقيته أمام أهل القرية، فما كان من الذئب أن جاء وافترس القطيع ثم الراعي، وهو ما حدث للمعارضة السورية بمختلف أطيافها، التي فوجئت بذئاب راحت تفترس المعارضة قبل النظام، وها هي تفترس الراعي.

لأن كوباني كانت معقلاً لهذا الحزب، ولأنها كانت من ضمن مشاريعه في الإدارة الذاتية، فقد اختلط الأمر على الجميع، حتى أنهم خلطوا بين كوباني- المدينة السورية- والمعقل لهذا الحزب، وبين هذا الحزب وبين شعبها. لذلك لم نجد لهجوم داعش عليها مواقف دولية وإقليمية وحتى سورية وكردية، عدا أضعف الإيمان، لتترك المدينة وناسها لقمة للغزاة المدججين بالأسلحة الثقيلة والحقد الدفين لنهش جسدها وهتك أعراضها في تكرار لما حصل في شنكال العراقية.

لتتوزع المواقف بين متفرج سلبي كتركيا، ولا مبال كالنظام السوري، وكأن البلدة ليست سورية، وهو الذي يزعم الوحدة الوطنية وحماية الأقليات، وغضب كردي لا يقتصر على الغزاة، بل يشمل مقاتلي الاتحاد الديمقراطي. وإهمال عواصم التحالف الدولي بسبب الأجندة السياسية وإرضاء لتركيا المعادية لكل ما يمت لهذا الحزب بصلة. كل ذلك جعل هذه المدينة وأهلها، قربانا لسياسات وأجندة الجميع بلا استثناء.


كاتب ومسرحي سوري

9