قرارات دعم السينما المصرية حبر على ورق

إزاء الانتكاسة الحالية في صناعة السينما المصرية، المتمثلة أساسا في انتشار الأفلام منخفضة التكاليف أو ذات موضوعات سطحية بما لا يليق بتاريخ هذه الصناعة، حذر العديد من النقاد من عودة ظاهرة “أفلام المقاولات” وانهيار تلك الصناعة بالكامل.
الثلاثاء 2017/01/17
الأفلام التجارية طغت على المضمون

منذ إصدار المهندس شريف إسماعيل، رئيس الوزراء المصري، قرارا بتطوير السينما في يوليو 2016، لم يتغير شيء حتى الآن، فلا تزال الأمور على حالها، القليل من الاجتهاد والكثير من الفوضى. القرار أعقبته مبادرات تقدمت بها وزارة التخطيط المصرية تمثلت في مشروع تقديم قروض ميسّرة لإنتاج الأفلام، ومساندة كافة الصناعات الإبداعية، من بنك الاستثمار القومي، بقيمة 150 مليون جنيه (حوالي 7.5 مليون دولار)، ثم طرحت وزارة الآثار المصرية بدورها مشروعا لخفض تكلفة رسوم التصوير داخل الأماكن الأثرية، ومع ذلك لم يتم استثمار هذه الخطوات.

ومع أن السينمائيين أعربوا عن سعادتهم بتصريحات رئيس الوزراء، التي أوضح فيها أنه ستتم إزالة كافة المعوقات التي تحول دون نهضة هذه الصناعة مرة أخرى، غير أن المتابعين لصناعة السينما في مصر وجدوا أن التصريحات لم تخرج عن كونها “مُسكّنات حكومية” يتم تقديمها من حين لآخر، خاصة وأنه لم يتم تنفيذ أي منها منذ أكثر من خمسة أشهر حتى اليوم، واستشهدوا بقرار -لم يتم تنفيذه- لرئيس الوزراء الأسبق، إبراهيم محلب الذي خاطب المحافظات المصرية بتخصيص أراض لبناء دور للعرض السينمائي ومسارح جديدة، دعما وإيمانا بأهمية الحركة الفنية والثقافية ودورها الاجتماعي الرائد في المجتمع.

حالة التدني الواضحة في الصناعة المصرية تمثلت في تقديم نوعية من الأفلام التي تحمل مضمونا تجاريا وسطحيا وظهور منتجين دخلاء على السوق السينمائية، ما أتاح الفرصة أمام فنانين من الصف الثالث للظهور كأبطال

الناقد الفني، الأمير أباظة، أكد اعتياد صناع السينما منذ سنوات على اجتماع لجان حكومية لوضع حلول للمشكلات وفي النهاية لا يحدث أي جديد، وطالب الدولة بأن تقدم الدعم الحقيقي لإنتاج الأفلام، لأن السينما تحتاج إلى دعم لوجيستي من أستوديوهات ومناطق تصوير، مع إتاحة الأماكن الأثرية والسياحية والمطارات وغيرها بأسعار مخفضة. ويوضح أباظة بقوله “القائمون على السينما طالبوا بمثل تلك القرارات أكثر من مرة من قبل، وجلسوا مع المسؤولين وطرحوا جوانب الأزمة وكان المسؤولون يبدون ترحيبا شديدا وتفهما، ثم لا تكون هناك خطوات تنفيذية على الأرض”. ويرى أن الأزمة الحقيقية، هي أنه لا يوجد في الحكومة شخص مسؤول عن المتابعة، كما لا يوجد من بين السينمائيين من يستطيع المتابعة والإلحاح لتنفيذ هذه القرارات.

قبلة الحياة

المخرج خالد يوسف، رئيس لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة والنائب بالبرلمان، قال لـ”العرب”، إن سلسلة من القرارات الحكومية تكشف عن الاهتمام الكبير بصناعة السينما، التي عانت من الإهمال الحكومي طوال سنوات، وهي بمثابة “قُبلة الحياة” لدعم الصناعة والخروج بها من كبوتها، لأن السينما يمكن أن تلعب دورا مهمّا في حسم الحرب الدائرة ضد الأفكار الإرهابية والتطرف.

ويؤكد بقوله “لا يجب اختزال حزمة القرارات في زيادة الدعم فقط، بل يجب أن تشمل أيضا حماية الفيلم المصري في الداخل والخارج من القرصنة، وإنشاء الشركة القابضة لإدارة أصول السينما، وبحث مشروع إنشاء مدينة للسينما وتسهيلات تصوير الأفلام الأجنبية في مصر”. ولفت يوسف في حواره مع “العرب” إلى أهمية بحث مشروع إنشاء صندوق تنمية صناعة السينما وتطبيق نظام الشباك الواحد، لتسهيل وتذليل العقبات أمام إنتاج وتصوير الأفلام الأجنبية والمصرية، وإعادة هيكلة الرقابة وإدخال نظام التصنيف العمري.

ومشكلات صناعة السينما في مصر تم تداولها عقب ثورة يناير 2011، وتبناها ثلاثة رؤساء للحكومات، بدءا من حازم الببلاوي، مرورا بإبراهيم محلب، وأخيرا شريف إسماعيل، إلا أن شيئا لم يتم تنفيذه فعليا، وخلال المهرجان القومي للسينما المصرية الأخير، زف حلمي النمنم، وزير الثقافة المصري، البشرى للسينمائيين المصريين بأن الحكومة بصدد اتخاذ الخطوات النهائية نحو تأسيس صندوق تنمية السينما.

خالد يوسف: السينما يمكنها لعب الدور الأهم في حسم الحرب الدائرة ضد الإرهاب

خالد عبدالجليل، مستشار وزير الثقافة لشؤون الإنتاج الثقافي والسينما، ورئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، رأى أن صندوق التنمية السينمائية هو جزء من سياق أكبر، يسعى إليه صناع السينما منذ العام 2008 لنقل أصول السينما المصرية من وزارة الاستثمار إلى وزارة الثقافة. ودافع عبدالجليل عن آلية تطبيق وتفعيل تلك المطالب، قائلا “تم تكليفي بوضع دراسة الجدوى المالية والفنية والقانونية لمشروع مدينة السينما لتقديمه إلى مجلس الوزراء، وإعادة هيكلة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ماليا وإداريا، وتحويله إلى فكرة التصنيف العمري، وبالتالي نكون إزاء مجموعة من الإجراءات متوازية ومكملة لبعضها”.

ويقول متابعا “هناك بالفعل تجاوب كبير من الحكومة لمطالب السينمائيين المتمثلة في إنشاء الشركة القابضة للصناعات الثقافية، ثم تكوين شركة لإدارة الأصول السينمائية، وتحويل مدينة الفنون بالهرم (جنوب القاهرة) إلى مدينة للسينما وإنشاء “سينماتيك” (أرشيف لكل الأعمال السينمائية)، ومتحف ومعمل ترميم ومزار سياحي، إضافة إلى مُجمّع أستوديوهات اقتصادي، مع زيادة الدعم غير المسترد، على أن يكون مبلغ الدعم أحد موارده، بالإضافة إلى موارد أخرى مثل تحصيل نسبة من تذكرة الفيلم الأجنبي كدعم للسينما المصرية، وإنشاء الشباك الموحد لتسهيل تصوير الأفلام الأجنبية في مصر”.

وكان قد صدر مؤخرا قراران مهمان من وزارة الثقافة هما ميكنة تذاكر السينما، ومعاملة دور العرض السينمائي معاملة المصانع في تحصيل قيمة المياه والكهرباء وتخفيضها، بالإضافة إلى بدء إجراءات حماية الفيلم المصري من القرصنة. وفي ما يتعلق بالدعم غير المسترد، أشار عبدالجليل إلى أنه يمنح مساحة للمبدعين الشباب والتجارب الجادة، ويتيح الفرصة أمام الشركة المزمع إنشاؤها بأن تدخل صلب تلك التجارب كشريك فيها بما يمثل دعما لوجيستيا مثل تطوير البلاتوهات.

ويقول عبدالجليل لـ”العرب” “لقد تم اتخاذ عدد من القرارات المهمّة كدليل على اهتمام الدولة بالفنون، فلأول مرة يترأس اللجنة العليا للمهرجانات شخص من خارج قيادات وزارة الثقافة، وهو المخرج خالد يوسف، وبدأنا بمطالبة المهرجانات بالحفاظ على النطاق النوعي والجغرافي بشكل كامل، وأن تتابع اللجان الإعداد والتنفيذ لهذه المهرجانات وأن تكون هناك متابعة دورية للإنجاز الذي يتحقق”. ونفى أن تكون هذه الخطوات تدخلا من الدولة في الفن أو أعمال المهرجان، بل هي مساهمة من الحكومة لتحقيق وتصدير صورة وملمح ثقافي مهمّ يعبر عن مصر.

ابن غير شرعي

أكد الصحافي الفني محمد قناوي، أن دخول الدولة في الإنتاج سيكون بمثابة رمانة الميزان التي تضبط عملية صناعة السينما في مصر، ومن ثم يمكنها إنتاج أعمال ذات موضوعات يخشاها القطاع الخاص لعدم وجود مردود مادي لها، مثل أفلام حرب أكتوبر التي لا يوجد فيلم واحد حتى الآن يعبر عنها بشكل فعلي. ويوضح قناوي أن “الدولة تتعامل مع صناعة السينما على أنها ‘ابن غير شرعي’، ورغم ما يطلقه المسؤولون من تصريحات حول أهميتها ودورها في تقديم صورة جيدة لمصر في محيطها العربي، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي خطوات جادة حتى اليوم لدعم الصناعة”.

مشكلات صناعة السينما في مصر تم تداولها عقب ثورة يناير 2011، وتبناها ثلاثة رؤساء للحكومات، بدءا من حازم الببلاوي، مرورا بإبراهيم محلب، وأخيرا شريف إسماعيل

ولم ينكر محمد قناوي وجود خطوات راهنة لتنفيذ هذه القرارات من خلال عقد اجتماعات، إلا أنه يجد أن الدعم المادي المعلن عنه لا يكفي لإنتاج فيلم واحد، كما أن كل الاجتماعات التي تعقد لمناقشة الأزمة كثيرا ما تصبح “حبيسة الأدراج”. ويرى متابعون، أنه بالقليل من التدقيق، سنجد أن الأفلام المصرية قد تراجع توزيعها بشكل ملحوظ في معظم الدول العربية، وأصبح ثمة انطباع يطارد الفيلم المصري بأنه أصبح سلعة أقل جودة مما مضى، في ظل سعي عدد من الدول بالمغرب العربي إلى إنتاج تجارب جديرة بالاحترام.

حالة التدني الواضحة في الصناعة المصرية تمثلت في تقديم نوعية من الأفلام التي تحمل مضمونا تجاريا وسطحيا وظهور منتجين دخلاء على السوق السينمائية، ما أتاح الفرصة أمام فنانين من الصف الثالث للظهور كأبطال على شاشة السينما دون أدنى اهتمام بمضمون ما يقدمونه، وبات همهم الوحيد هو البحث عن النجومية حتى وإن كانت على حساب جودة الصناعة نفسها.

يذكر أن هذا التدني كان موجودا قبل ثورة يناير 2011 إلا أن الانتكاسة ازدادت حدة إثرها، حيث تراجعت القنوات التلفزيونية عن شراء الأفلام وأصبحت تركز فقط على برامج “التوك شو”، كما أن الفيلم أصبح لا يحقق ما تدفعه المحطة لمنتجيه، ما جعل القنوات تتعرض لخسائر مالية أدت بها إلى التوقف عن شراء الأفلام، خاصة منها تلك التي تعرض لأول مرة وبشكل حصري.

16