قرارات رادعة لاستئصال آفة العنف في الملاعب التونسية

تونس تشدد القيود على حضور المشجعين وأندية تخسر جماهيرها إلى بقية الموسم.
الخميس 2019/03/21
التحدي الأصعب

عاد طوفان العنف ليجتاح الملاعب التونسية مجددا، وطفت ظاهرة الشغب من جديد على السطح، إثر اندلاع مواجهات على مدرجات العديد من الملاعب وآخرها السبت الماضي، في ملعب رادس الذي استضاف لقاء الأفريقي والإسماعيلي، في دوري أبطال أفريقيا. وهو ما جعل السلطات التونسية، تتدخل بحزم وتتخذ حزمة قرارات رادعة للحد من هذه الظاهرة.

تونس - عرفت نهاية العديد من المباريات في الملاعب التونسية سواء على مستوى المنافسات القارية أو المحلية أحداثا مأساوية أججها اقتحام أفواج من الجماهير للملاعب، قبل أن تتشابك في ما بينها مما أسفر عن خسائر مادية جسيمة لحقت المرافق، وممتلكات الغير من سيارات وحافلات نقل المسافرين ناهيك عن إصابات في صفوف المشجعين.

وجاءت هذه الأحداث كلها لتؤكد أن العنف في ملاعب كرة القدم بات ظاهرة شاذة تؤرق الأندية وتقض مضجع المسؤولين وترخي بظلالها على السير العادي للمنافسات منذ بداية الموسم الرياضي. وأمام استفحال هذه الآفة شددت السلطات في تونس القيود بشأن حضور الجماهير.

جملة من القرارات الصارمة صدرت لإنهاء العنف في ملاعب تونس، بعد الاجتماع الذي جمع مسؤولي وزارتي الرياضة والداخلية

وأعلنت السلطات الأمنية عقب اجتماع مع ممثلين من وزارة الشباب والرياضة ورؤساء الاتحادات الرياضية، عن غلق المدرجات الجانبية (خلف المرمى) للملاعب التي شهدت أعمال عنف وشغب متكررة. كما قررت السلطات منع من هم دون 18 عاما من دخول الملاعب والقاعات الرياضية.

وأعلنت أيضا عن قراراها بمنع حضور جماهير الفرق الزائرة في جميع المباريات حتى نهاية الموسم الرياضي. وتشهد مدرجات الملاعب صدامات متكررة بين قوات الأمن والجماهير وبين جماعات الأولتراس في ما بينها، ما يؤدي إلى استخدام الغاز المسيل للدموع من قبل الأمن وإلى حصول أضرار بالمنشآت الرياضية بسبب الشغب. وأهاب البيان بكل العاملين في الشأن الرياضي احترام مبدأ التنافس الشريف والتحلّي بالروح الرياضية للمحافظة على سلامة الأشخاص والممتلكات العامة والخاصة وإنجاح الموسم الرياضي.

قرارات صارمة

صدرت جملة من القرارات الصارمة لإنهاء العنف في ملاعب تونس، بعد الاجتماع الطارئ الذي جمع مسؤولي وزارتي الرياضة والداخلية. ويشمل هذا القرار، عدة أندية من بينها الملعب التونسي، الذي سيحرم من جمهوره، على أرضه، لنهاية الموسم الجاري. وانتقد أنيس الباجي، المتحدث الرسمي باسم الملعب التونسي، هذا القرار، وقال عبر صفحته على موقع التواصل فيسبوك “الملعب التونسي كان وسيبقى مدرسة رياضية وأخلاقية تقوم بدورها الاجتماعي والرياضي في كنف الاحترام لكافة السلطات”.

وتابع “رغم الجهود التي يبذلها مجلس إدارة النادي، لكن العراقيل تتزايد يوميا وتهدد طموحاتنا، نحن أمام قرار يحرمنا من حضور جماهيرنا في هذا الوقت الحساس بسبب عدم حصول الملعب على شهادة الصلاحية”. ونوه الباجي “راسلنا بلدية باردو أكثر من مرة، وطلبنا منها التدخل في هذا الموضوع، لكن دون جدوى، حتى المنحة منهم تقلصت إلى 160 ألف دينار بدلًا من 250 ألف دينار”. وأوضح “لقد طفح الكيل، الملعب التونسي أكبر من الجميع، لا نقبل الاستخفاف بالنادي، لن نسكت عن حق هذا الصرح الرياضي الكبير، سندافع عن النادي بكل أمانة مهما كلفنا الأمر، في حدود القانون”.

هذه الآفة، التي استفحلت خلال السنوات الأخيرة وأضحت داء مزمنا في الملاعب، تتطلب وقفة تأمل لاستئصال هذا الخطر الدخيل الذي أصبح ينتشر إلى أبعد من محيط الملاعب، التي لا تسلم تجهيزاتها من التدمير والتكسير، في الشوارع ووسائل النقل والسيارات الخاصة والمحلات التجارية. ويأخذ الشغب في الملاعب أشكالا مختلفة، إذ يقف أحيانا عند حدود شتم الحكام أو اللاعبين المنافسين أو لاعبي الفريق نفسه، وقد يتحول إلى مشادات وشتائم متبادلة بين جمهوري الفريقين، ويتطور أحيانا أخرى إلى إلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة على أرضية الملعب؛ لكنه يصل إلى أسوء حالاته حين يمتد إلى تخريب المنشآت الرياضية والسيارات خارج الملعب.

نتائج وخيمة

Thumbnail

وتكون نتائج هذا العنف في جميع الحالات وخيمة ومرفوضة، وتسيء إلى الرياضة ومفاهيمها وأخلاقها. ومن هذه النتائج فرض عقوبات على اللاعبين والمدربين والأندية، وغياب الجمهور عن المنافسات الرياضية، وبالتالي تراجع مستوى اللعبة وسيطرة التشنج على منافساتها. كما أن التأثير السلبي للشغب يشمل أيضا حياة المجتمع، باعتبار أن الظاهرة تمس الأمن العام وتجعل المواطنين يحسون بالقلق والخوف على أرواحهم وممتلكاتهم وخاصة منهم الذين يقطنون بالقرب من ملاعب كرة القدم والمجمعات الرياضية. وفي ظل هذا الوضع، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه إعلاميا ومؤسساتيا، هل ثمة مخرج لهذه الظاهرة السلبية؟

من البديهي أن حل هذه المعضلة لا يجب أن يقتصر فقط على الإجراءات الأمنية أو الزجرية، بل يحتاج إلى إطلاق برامج بعيدة الأمد للتوعية والتأطير في أوساط الجماهير، مع مواصلة تأهيل المنشآت الرياضية، وإشراك كافة المتدخلين دون إقصاء. وأمام أحداث الشغب والعنف المتكررة بمناسبة بعض التظاهرات الرياضية، وخاصة مباريات كرة القدم، بادرت قطاعات ومؤسسات معنية بعقد اجتماعات تروم إعداد إستراتيجية عمل شمولية وموحدة، فضلا عن تنظيم ندوات تحسيسية وعلمية في مدن عديدة من تونس لسبر أغوار الظاهرة الدخيلة. وفي هذا الإطار لابد من العمل على ضرورة تعزيز التنسيق المؤسساتي بين كل القطاعات، عبر الإسراع بسن نصوص قانونية صارمة وتنظيمية تطال اللجان وكل الجهات المسؤولة عن التنظيم. ولابد كذلك أن تطال إجراءات محاربة الشغب أيضا الأندية، من خلال تطبيق مقتضيات مدونة التأديب من طرف الاتحاد المحلي في حق كل الأندية التي يتسبب جمهورها في أعمال شغب، بما في ذلك إجراء مباريات دون جمهور.

ولعل من أهم الإجراءات التي يمكن أن تسهم في الحد من هذه الظاهرة هي العمل على تأطير جمعيات المشجعين عبر إشراكها في الاجتماعات التحضيرية والتنسيق معها في ما يخص الأنشطة الاحتفالية التي ترغب في تنظيمها داخل الملاعب، إضافة إلى إشراف وزارة الشباب والرياضة على بلورة استراتيجية واضحة للتحسيس بخطر تفشي ظاهرة الشغب. وعلى الرغم من نجاعة المقاربات الأمنية في الحد من هذا الداء، فإن تشخيص مظاهر العنف في الملاعب الرياضية، ورصد أسبابها ودوافعها، تبقى خطوات أساسية نحو نبذ كل أشكال التعصب.

22