قرار البرلمان البريطاني بشأن الملف السوري.. دعم لـ "معاداة الأمركة"

الخميس 2013/09/12
الكلمة الفصل للبرلمان البريطاني في القضايا المصيرية

شكلت هزيمة حكومة ديفيد كاميرون، في مجلس العموم البريطاني تأكيدا على سيادة البرلمان فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلم بشكل غير مسبوق في الفترة الحديثة. ومن الصعب الآن أن نتبيَن كيف يمكن لأية حكومة في بريطانيا أن تقوم باتخاذ إجراءات عسكرية كبيرة دون موافقة البرلمان. ومن الصعب كذلك أن نرى البرلمان يقدّم هذا الدعم ما لم تكن هناك مصلحة وطنية واضحة، أو إذا ما اتخذت العمليات العسكرية بتفويض ومصادقة من قبل مجلس الأمن وذلك على الأقل إلى حين تتبدد ظلال حربي العراق وأفغانستان.

مع ذلك حدث أمر آخر أكثر أهمية إذ لم يكن هذا مجرد تصويت ضد توقيت سابق لأوانه من النقاش، أو لمزيد النظر في الأدلة حول حقيقة استخدام الأسلحة الكيميائية من عدمه، بل إنه يعكس الواقع – الذي قبل به كاميرون بمجرد إعلان النتيجة – وهو أن معارضة العمل العسكري ستظل قوية وعلى نطاق واسع مهما كانت طبيعة الأدلة الجديدة لمفتشي الأمم المتحدة التي ستظهر للعلن في نهاية المطاف لأن تجارب العراق و أفغانستان قد دفعت بمعظم النواب – بل حتى أكثر من ذلك، أغلبية كبيرة من ناخبيهم – إلى التشكيك شبه المطلق في الادعاءات القائلة بأن العمل العسكري يمكن أن يبقى محدودا بمجرد إطلاق الرصاصة الأولى. ورحب الكثيرون في القوات المسلحة بهذا القرار. وعلى مدى العقد الماضي، كان مجال عملياتهم العسكرية الرئيسية يتمثل في القيام بحملات عسكرية – سواء في العراق أو بعد سنة 2006 في أفغانستان– تفتقر بشكل واضح إلى أسس قوية من التأييد الشعبي، و لم يكن ذلك أبدا بحال من الأحوال وضعا مريحا للقوات المسلحة في دولة ديمقراطية. كان مد التدخل العسكري قد انحسر بالفعل إلى حد كبير منذ أن بلغ أقصى مداه في السابق، كما يتضح من خلال النهج الذي توخته الحكومة في أفغانستان و ترددها الواضح في القيام بمزيد العمليات القتالية الميدانية، وقد جاء هذا القرار ليمثل خطوة أخرى مماثلة في هذا المسار. ولا يمكن أن يكون في وسع أية حكومة للمملكة المتحدة، في المستقبل المنظور، التفكير في القيام بعمل عسكري دون التفكير في ما إذا كانت قادرة على الحصول على موافقة البرلمان.

ربما لا تزال بعض العمليات العسكرية من العقدين الماضيين قادرة على نيل الموافقة لو أحيلت على مجلس العموم اليوم. من المحتمل أن تحظى الحملة العسكرية لتحرير الكويت من الغزو العراقي في سنة 1991، بموجب تفويض واضح من مجلس الأمن الدولي، بنيل أصوات الأغلبية الساحقة من النواب شأنها شأن الدعم الذي قدمته بريطانيا لأميركا للإطاحة طالبان.

ولكن معظم العمليات العسكرية الأخرى في ربع القرن الماضي كانت ستجد صعوبة في تجاوز حواجز الشكوك لدى عامة الشعب في بريطانيا أو في صلب مجلس العموم. ومع الاستفادة من تجاربنا السابقة، لا يساورنا أدنى شك بأنهم كانوا سيعارضون غزو العراق سنة 2003 لو عرض القرار على البرلمان اليوم. ولكنهم أيضا سيكونون متشككين تجاه «حروب الاختيار» لما سعت حكومة المملكة المتحدة إلى استباق حلفائها الأميركيين، بالتأكيد من خلال «الاندفاع الحماسي» المكلف للمملكة المتحدة في أفغانستان منذ سنة 2006، ولكن أيضا الدعم الذي قدمته المملكة المتحدة عن طريق إرسال قواتها البرية على الأرض في كوسوفو سنة 1999، وكذلك قيادة المملكة المتحدة وفرنسا للحملة العسكرية من أجل الإطاحة بمعمر القذافي سنة 2011.

أما توقع مدى تأثير التراجع المتزايد في رغبة المملكة المتحدة في التدخلات العسكرية على علاقة هذه الأخيرة بالولايات المتحدة مستقبلا فإنه يظل مسألة مفتوحة. وبالنسبة إلى البعض في مؤسسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة سيعتبر هذا التصويت دليلا آخر على «معاداة الأمركة» والتوجه نحو «التجرد من السلاح» على نطاق أوسع في أوروبا.

وإذا وجدت الولايات المتحدة نفسها بصدد خوض حملة عسكرية كبيرة في الشرق الأوسط (ضد إيران على سبيل المثال) فإنه من المستبعد في الوقت الحالي أن تكون المملكة المتحدة قادرة على الانضمام إليها.

* باحث في معهد «روسي» للدراسات الدفاعية

6