قرار بايدن التنازل عن براءات لقاح كورونا.. باطل

نقل مهمة إنتاج لقاحات كورونا ليس أمرا سهلا وهو حتما لن يوفر الوقت على الدول الفقيرة بل قد يعيق إنتاج الكميات اللازمة وفق الأجندات التي حددتها كل شركة على حدة.
الأربعاء 2021/05/12
على 122 دولة فقيرة آلا تنخدع بدموع بايدن

موقف الرئيس الأميركي جو بايدن الداعم للتنازل عن براءات اختراع لقاحات كوفيد – 19 أثار ردود فعل متباينة. المدافعون عن القرار يرون أن الظرف الاستثنائي الذي تمر به دول العالم يتطلب أن نعلّم الدول الفقيرة كيف تصطاد السمك لا أن نقدم لها السمك جاهزا للأكل.

كلام مقنع، والدليل أن رئيس الولايات المتحدة نفسه هو من دعا إلى التنازل عن براءات الاختراع لمساعدة الدول الفقيرة على إنتاج “لقاحات أكثر في وقت أسرع”.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكذّب خبرا، وسارع لتأييد قرار بايدن. ومثله فعلت رئيسة منظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو إيويالا. ورأى رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس في اقتراح الرئيس “قرارا تاريخيا”.

موقف نبيل. من يستطيع أن يقول غير ذلك؟

في الحقيقة أيّ إنسان عاقل يمكن أن يقول غير ذلك. فالقرار سياسي مئة في المئة، وخاطئ مئة في المئة. ولكن، أيّ شركة منتجة للقاحات إن قالت هذا سترمى بألف حجر، وتتهم بالجشع والرغبة بتكديس الأرباح.

رغم ذلك، الاقتراح في أحسن الأحوال “حل بسيط لمشكلة معقدة”.

كان على بايدن أن يدعم الشركات المنتجة للقاحات بأموال الضرائب، فالعالم لكي يتخلص من الجائحة يجب أن يقدم للدول الفقيرة على الأقل ملياري جرعة لقاح وقد يرتفع الرقم إلى 5 مليارات جرعة.

بالتأكيد ليس بين المستشارين الذين يحيط الرئيس الأميركي نفسه بهم، من همس في أذنه وقال له إن على الولايات المتحدة والدول الثرية أن “تفي بالتزاماتها تجاه البلدان الأكثر فقرا”، مثلما رأت إستير دوفلو الحائزة على جائزة نوبل للاقتصاد.

ما هي الالتزامات التي يحاول بايدن التنصل منها متخفيا وراء قناع من الدموع.

كانت الدول الأكثر ثراء ومن ضمنها الولايات المتحدة قد التزمت، من خلال إنشاء برنامج كوفاكس لتبادل اللقاحات المضادة لكوفيد وتمويله، بتقديم ملياري جرعة لـ122 دولة فقيرة خلال عام 2021، لم تقدم منها سوى 49 مليون جرعة.

دوفلو قدّمت لنا حسبة صغيرة، وتركت لنا حرية طرح السؤال. “تزويد البلدان الفقيرة بملياري جرعة من اللقاحات، يحتاج إلى 29 مليار دولار، وإذا رفعنا هذا العدد إلى أربعة مليارات تصبح الكلفة أكثر من خمسين مليارا بقليل (…) وهذا لا شيء بالمقارنة مع تريليونات الدولارات التي تستثمرها الولايات المتحدة وحدها في خطة التعافي”.

إما أن بايدن يدرك حسبة دوفلو ولكنه اختار أن يرمي الكرة في ملعب الدول الفقيرة، أو أنه لا يدرك الحسبة، وهذا أسوأ، لأن ذلك سيكون مؤشرا على اختيار مستشارين يفتقدون للكفاءة العلمية.

وبدل أن يبكي فعليا على فقراء الهند الذين يفقدون حياتهم بأعداد كبيرة، بدأ يذرف دموع التماسيح. وبالطبع خدع البسطاء وأقنعهم أنه يحافظ على وعد انتخابي قطعه على نفسه.

إذا افترضنا حسن النوايا، نكتفي بالقول إن قرار بايدن خطأ، وإن الشركات المنتجة، على حق عندما قالت إن براءات الاختراع ليست العامل الذي يحد إنتاج اللقاح أو توفيره.

لم يكن رئيس المختبرات الألمانية “بايونتيك” ألبرت بورلا يحاول حماية مصالح شركته وشركة “فايزر” الأميركية عندما أكد أن القرار لن يكون له تأثير “على المدى القصير والمتوسط” وقال إنه “لا يؤيد إطلاقا” رفع براءات الاختراع.

“نقل مهمة إنتاج اللقاح ليس قرارا سهلا، وهو حتما لن يوفر الوقت على الدول الفقيرة، بل ربما يعيق إنتاج الكميات اللازمة وفق الأجندات التي حددتها كل شركة على حدة".

ميشال ماككوري هيث مديرة لوبي شركات التكنولوجيا الحيوية العضوية على حق عندما قالت إن “إعطاء البلدان المحتاجة وصفات دون المكونات والضمانات والعمالة المتخصصة لن يساعد الأشخاص الذين ينتظرون اللقاح”.

إتقان تقنية الحمض النووي الريبوزي التي تقوم عليها لقاحات فايزر- بايونتيك وموديرنا، وشراء الآلات وإجراء التجارب السريرية وبدء التصنيع على نطاق واسع، “لا تحدث في 6 أو 12 أو 18 شهرًا” كما يؤكد سيتفان بانسيل رئيس مجلس إدارة موديرنا، الذي هاجم موقف الرئيس الأميركي.

أقوى المواقف المفندة لقرار بايدن صدرت عن رون كوهين رئيس شركة “أكوردا تيرابيوتيكس” للتكنولوجيا الحيوية في نيويورك، الذي قال إن الرئيس الأميركي قد “سلك منحدرا خطيرًا وزلقا”، وتساءل عن “براءات الاختراع التالية في القائمة التي لن تكون محمية بعد تسجيل هذه السابقة”. وأكد أن أمراض السرطان أو الزهايمر يمكن أن تعتبر أيضا “أزمات عالمية”.

علي النقيض من موقف الرئيس الروسي وموقف رئيسة منظمة التجارة العالمية ورئيس منظمة الصحة العالمية، أظهر الاتحاد الأوروبي تعقلا كبيرا عندما أبدى معارضته لخطوة بايدن، وقال بلسان رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين إنه “مستعد لمناقشة أيّ اقتراح يعالج الأزمة بشكل فعال وعملي”. وحذرت ألمانيا من أن “حماية الملكية الفكرية هي مصدر الابتكار ويجب أن تبقى كذلك في المستقبل”.

بالتأكيد يتذكر بايدن جيدا أن الصين لم تتحول إلى دولة بمقاييس الدول المحترمة إلّا بعد أن أكرهت على قبول حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع. وما كان للدول الصناعية أن تكون على ما هي عليه إلّا باحترام حقوق الاختراع والابتكار.

على الدول الأكثر ثراء ومن ضمنها دول مجموعة السبع التي بدأت حكوماتها في رفع تدريجي للقيود المفروضة بعد تقدم حملات التطعيم فيها، ألاّ تتجاهل 122 دولة فقيرة مهددة بالوباء، وألاّ تنخدع بدموع الرئيس.

لم يكلّف بايدن نفسه عناء حتى إلقاء أدوات الصيد للدول الفقيرة، فما بالك بتعليمهم الصيد، واكتفى بذرف الدموع. أما نحن فانطلت علينا الحيلة.

سيادة الرئيس، الأزمة التي أودت بحياة 3.3 مليون شخص على مستوى العالم تقريبا، لم تنته بعد، وسياسة أنا ومن بعدي الطوفان التي تحاول انتهاجها لن تحمي أحدا من الطوفان.

بالتأكيد أنت تعرف أن رقم 50 مليار دولار رقم صغير، ولست بحاجة إلى اقتصادي حاصل على جائزة نوبل ليؤكد أنه رقم تافه إذا ما قيس بتريليونات الدولارات التي يتوجب دفعها في خطة التعافي الاقتصادي في الولايات المتحدة فقط.

سيادة الرئيس، ما من أحد بمأمن من الوباء ما لم يأخذ الجميع اللقاح. عندما يعلم الأميركيون بالحقائق، لن يلومك أحد إن مددت يدك إلى جيوبهم لدفع فاتورة اللقاحات التي يجب إنتاجها لإنقاذ العالم.

9