قرار ترامب يقطع مع إرث أوباما في الشرق الأوسط

قرار ترامب يهدم الإنجاز الرئيسي في السياسة الخارجية الذي حققه سلفه باراك أوباما.
الخميس 2018/05/10
الحضور العربي مهم في أي مداولات دولية ستجرى مع إيران

واشنطن - يعتبر القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن موقف بلاده من الاتفاق النووي مع إيران تطورا جذريا، ليس فقط في علاقة واشنطن بطهران بل بالنظام الدولي برمته، من حيث انتهاء قواعده وفق الرؤى التي أرادها له الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن الثلاثاء الانسحاب من الاتفاق المبرم في 2015 الذي وافقت بمقتضاه إيران على تقييد برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها. وأبدى استعداده للتفاوض على اتفاق جديد رغم أن طهران استبعدت ذلك وهدّدت بالرد.

وقررت الإدارة الأميركية الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران على الرغم من أنه ليس اتفاقا ثنائيا بين الولايات المتحدة وإيران، بل هو اتفاق جماعي شاركت في إنتاجه خمس دول كبرى أخرى، وبذلك يعيد ترامب موقع بلاده إلى قمة العالم وبعث برسائل إلى حلفاء الولايات المتحدة قبل الخصوم على أرجحية الموقف الأميركي على أي موقف آخر قد تتخذه دول كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي.

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول انسحاب بلاده من الاتفاق لم يكن مفاجئا، فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض عمل على الإيفاء بأبرز وعوده الانتخابية المثيرة للجدل بدءا بالانسحاب من اتفاقية المناخ إلى إعلان القدس عاصمة لإسرائيل وصولا إلى الانسحاب من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1. ورغم أن المؤشرات كانت تذهب في سياق الانسحاب إلا أن الحلفاء الأوروبيين كانوا يصرون على حديث لم يقنع ترامب حول تعديل الاتفاق، بل دفعوه إلى تقديم تاريخ الإعلان عن قراره.

ويهدم قرار ترامب الإنجاز الرئيسي في السياسة الخارجية الذي حققه سلفه باراك أوباما. ويفتح الباب أمام مواجهة أميركية أكبر مع إيران. ويوتر كذلك العلاقات مع بعض من أوثق حلفاء الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا وألمانيا.

ورأى دبلوماسيون في الأمم المتحدة في نيويورك أن الموقف الأميركي من الملف الإيراني أيقظ المجتمع الدولي على حقائق جديدة حول النظام الدولي، حيث أن سقوط اتفاق بهذه الأهمية شاركت واشنطن وموسكو وبكين وباريس ولندن وبرلين في صياغته يمثل تحولا في شكل العلاقات الدولية كما شكل اصطفافاتها التقليدية.

وأضاف هؤلاء أن فرص التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقا مع إيران على أنشطتها النووية والصاروخية والإقليمية تبدو ضئيلة في أفضل التقديرات بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني.

وبعكس ما يعتقد البعض، فإن الدور الأوروبي كان محفزا بشكل غير مباشر للرئيس الأميركي لاتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق.

وكان ترامب وجّه في إعلانه في 12 يناير إنذارا نهائيّا إلى الثلاثي الأوروبي المشارك في التوقيع على الاتفاق لـ”إصلاح العيوب الكارثيّة في الصفقة وإلا فستنسحب الولايات المتّحدة”. وتلخّصت مطالب الرئيس الأميركي في إدخال التحسينات المطلوبة على الاتفاق النووي وأن تشمل هذه التعديلات اتفاقات تتعلق ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية وكيفية الحد من “نفوذ إيران المهدد للاستقرار في الشرق الأوسط”.

وزار وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان طهران في مارس الماضي كما زارها وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون قبل ذلك بعدة أشهر، وأن اجتماعا جمع وزراء خارجية أوروبيين بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في بروكسل في يناير الماضي، ناهيك عن تواصل جرى بين برلين وطهران لمناقشة سبل إنقاذ الاتفاق دون أن ترشح عن ذلك أي أعراض تفيد بتقدم في هذا الملف. لكن، ما حمله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل إلى الرئيس الأميركي عبّر عن فشل في تلبية الشروط التي طلبها ترامب.

وربما كانت الخطوة التي اتخذها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 أبريل بطرح فكرة العمل مع إيران على “اتفاق جديد” جاءت انطلاقا من إحساسه خلال زيارة لواشنطن بأن ترامب سيتخلى عن الاتفاق. وقال ماكرون إن مثل هذا الاتفاق سيرتكز على أربعة أعمدة هي تقييد برنامج إيران النووي في الأجلين القريب والبعيد، وتقييد برنامجها للصواريخ الباليستية والحد مما يعتبره الغرب أنشطة مزعزعة للاستقرار في سوريا واليمن والعراق ولبنان، وهي المطالب التي تطرحها واشنطن.

وقال مسؤولون فرنسيون إن الفكرة وراء ذلك كانت الإبقاء على الأمل في الدبلوماسية إذا ما انسحب ترامب من الاتفاق، غير أن دبلوماسيين فرنسيين حاليين وسابقين قالوا إن إعادة إيران إلى مائدة التفاوض لإبرام مثل هذه “الصفقة الكبرى” ستكون أمرا في غاية الصعوبة وخاصة بعد ما تعتبره تراجع واشنطن عن الاتفاق. واليوم، يقف الاتحاد الأوروبي أمام استحقاق قد يكشف ضعف هذا التجمع الإقليمي عن اتخاذ موقف مستقل عن واشنطن. وسعى الأوروبيون إلى البحث عما يرضي ترامب لدى الإيرانيين دون أن يظهروا جهودا جدية لاجتراح آليات تحمي الاتفاق النووي حتى دون الولايات المتحدة.

لكن، من الصعب على الاتحاد الأوروبي أن يجد نقطة توازن ذات مصداقية تبقي أوروبا حليفة للولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب وتبقيها في الوقت عينه قريبة من إيران من خلال التمسك بالاتفاق النووي، ولا مفر للأوروبيين من الالتحاق بالموقف الأميركي ولو بصيغ ولهجة وسبل أخرى.

ونقلت رويترز عن دبلوماسي أوروبي قوله إن الإيرانيين يتزايد انقسامهم بين من يعتقدون أن سبيل الحفاظ على الجمهورية الإسلامية هو تحسين الاقتصاد ومن يشعرون بأنه التشدد في الداخل والجرأة في الخارج. وأضاف “الرسالة من جانبنا نحن الأوروبيين هي أننا لا نخوض (لعبة) تغيير النظام.. فما نعتقده هو أن اتفاقا شاملا يسهم باطراد في تغيير شكل إيران” وربما يقنعها في نهاية المطاف بالتخلي عن الهيمنة الإقليمية.

واعتبرت مراجع دبلوماسية بريطانية أن تهديد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون بفرض عقوبات ضد الشركات الأوروبية التي تعمل في إيران يمثل موقفا متشددا ضد الشركاء الأوروبيين، كما يكشف عزم واشنطن على تقويض هذا الاتفاق بشكله الحالي حتى لو كانت خارجه.

الوعد الأخير تحقق
الوعد الأخير تحقق

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤولين إيرانيين أن القرار يهيّئ الساحة لتصاعد الخلافات السياسية داخل هيكل السلطة المعقد في إيران وربما يقوي شوكة المتشددين الساعين للحد من قدرة روحاني على الانفتاح على الغرب.

ولفتت مصادر إيرانية معارضة إلى أن طهران كانت تبلّغت بقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق مبكرا، وأن ما صدر من مواقف إيرانية متعددة قبل إعلان القرار الأميركي كان هدفه تحضير الرأي العام الداخلي كما منابر الطبقة السياسية في إيران إلى مروحة الخيارات التي ستناور طهران داخلها في هذه المرحلة.

وتراوحت هذه المواقف بين التهديد بالانسحاب من الاتفاق ومن المعاهدة الدولية للحد من الأسلحة النووية وتصعيد لهجة جنرالات الحرس الثوري من جهة، والوعد بالبقاء داخل الاتفاق إذا ما قدم الأوروبيون الضمانات المالية اللازمة من جهة ثانية.

وكان واضحا أن طهران أعدت جيدا لموقف رسمي أعلن عنه الرئيس حسن روحاني بنفسه محاطا بشخصيات من حكومته بعد دقائق فقط من خطاب ترامب في هذا الصدد، على نحو يكشف في شكل الوقوف أمام الكاميرا وفي مضمون نص خطابه أن أمر انسحاب ترامب لم يكن مفاجئا لإيران. لكن، قراءة غير متسرعة لخطاب روحاني تكشف أن الرد الإيراني الرسمي على الموقف الأميركي كان متوقعا وضمن هامش الخيارات المعروفة المتاحة.

ورأت مصادر دبلوماسية في جامعة الدول العربية أن العرب يجب ألا يكونوا هذه المرة غائبين عن أي مداولات دولية تجري مع إيران كما يجب عدم تكرار تجربة الاتفاق النووي الذي أبرم مع الدول الكبرى دون أي تشاور مع دول المنطقة، وأن ما صدر عن وزارة الخارجية المصرية مصيب في هذا الصدد.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في وقت متأخر مساء الثلاثاء، إن مصر تؤكد على أهمية إشراك الدول العربية في أي حوار يتعلق باحتمالات تعديل الاتفاق النووي الدولي مع إيران، وذلك في أعقاب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وأضافت الوزارة أن على إيران الوفاء بالتزاماتها الكاملة وفقا لمعاهدة عدم الانتشار النووي “بما يضمن استمرار وضعيتها كدولة غير حائزة للسلاح النووي”.

7