قرار تركيا الأخير في ليبيا: باقون هناك

إعلان الأتراك عن استمرار بقائهم في ليبيا لا يعني إلا اتجاههم لفرض سياسة الأمر الواقع بالضغط على السلطات القائمة في طرابلس، وهو ما سيدفع إلى استمرار الصراع وتواصل حالة الانقسام.
الثلاثاء 2021/06/15
توجه تركي لفرض سياسة الأمر الواقع

لم يكن النظام التركي في حاجة لانتظار مخرجات مؤتمر برلين 2 للإعلان عن قراره النهائي بشأن إجلاء قواته النظامية ومرتزقته عن الأراضي الليبية، وإنما قال كلمته، وأكد أنه باقٍ في القواعد والمعسكرات انطلاقا مما اعتبره وزير الدفاع خلوصي أكار علاقة تاريخية امتدت لـ500 عام، في إشارة إلى الاحتلال العثماني الذي دخل طرابلس عام 1551 بدعوى تحريرها من قوات القديس يوحنا، ليحتلها ويتحكم بمصير شعبها وينهب ثرواتها قبل أن يسلمها للاحتلال الإيطالي عام 1911.

ولم يقف أكار عند هذا الحد بل زعم أن “الأتراك ليسوا أجانب”، أي أنه لا ينطبق عليهم قرار إجلاء القوات الأجنبية عن ليبيا، وأكد أن قوات بلاده باقية ومستمرة في مهامها وأن المشكلة في حفتر، في إشارة إلى قائد الجيش خليفة حفتر، الذي يبدو أن الأتراك يرون أن مهمتهم في ليبيا لا تكتمل إلا بالقضاء عليه لفسح المجال نهائيا أمام أتباعهم من الإخوان وأمراء الحرب ولوبي الفساد وحاملي شهادات الانتماء السياسي للعثمانية الجديدة، للتحكم في ليبيا كما كان عليه الأمر قبل قرون من خلال تشكيل مجتمع الباشوات والآغاوات ومن معهم ووراءهم في المدن الساحلية الغربية، وتحويل القبائل إلى مجرد مصدر لدفع الضرائب والإتاوات وتهجير العصاة من أبنائها إلى دول الجوار، لتستمر ظاهرة البلد الطارد لأهله الأصليين، حيث أن ليبيا التي لا يتجاوز سكانها اليوم سبعة ملايين نسمة، هي ذاتها التي لديها في الدول المجاورة ما لا يقل عن 40 مليونا من ذوي جذور ليبية تعرضوا للتشريد والإبعاد القسري خلال حكم العثمانيين، من بينهم 25 مليونا في مصر وحدها، لا يزالون يذكرون ما رواهم لهم الآباء والأجداد عن المجازر التركية في حقهم.

إذا كانت أنقرة تعتمد على عنصر الزمن في فرض دورها، فإن على المجتمع الدولي إما أن يحسم موقفه بكل حزم، أو أن ينفض يديه ويتخلى عن مزاعمه برعاية الحل

مساء الجمعة، وصل وزير الدفاع التركي إلى مطار معيتيقة ومعه رئيس الأركان في زيارة مفاجئة، قادمين من قاعدة الناتو في صقلية الإيطالية، وكان لافتا أن أي تنسيق مع السلطات الأمنية الليبية لم يحصل، بل إن السلطات السياسية فوجئت بوصولهما، كما أن عملية استقبال الوزير ورئيس الأركان تمّت من قبل الضباط الأتراك دون غيرهم بعد أن استبعدوا نظراءهم المحليين. ومن الغد التحق بهما وفد كبير من أنقرة يضم وزيري الخارجية والداخلية ورئيس المخابرات ورئيس دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية التركية والمتحدث باسمها، ليكتمل المشهد السوريالي بلقاءات مع رئاستي المجلس الرئاسي والحكومة، كان الهدف الخفي منها إعداد الملف الذي سينقله أردوغان معه إلى بروكسل لعرضه على الرئيس الأميركي جو بايدن خلال أول لقاء بينهما على هامش قمة الناتو، فيما كان الهدف المعلن هو تأكيد الوفد التركي الضخم أن وجود قواتهم في ليبيا سيتواصل، وأن مهمتها لم تنته بعد، وأنها موجودة تنفيذا لاتفاق سيادي بين البلدين في إشارة إلى مذكرة التفاهم المثيرة للجدل المبرمة بين رئيس المجلس الرئاسي السابق فايز السراج والرئيس أردوغان في السابع والعشرين من ديسمبر 2019 وما تلاها من اتفاقيات جرى التوقيع عليها تحت ضغط الأزمة من قبل أطراف جلبها المجتمع الدولي للحكم دون شرعية شعبية أو برلمانية.

وبقطع النظر عن الأهداف الخفية والمعلنة، فإن رسالة الوفد التركي واضحة بالنسبة إلى الداخل التركي على الأقل، وهي قطع الطريق أمام مؤتمر برلين 2، وأمام تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2570 الصادر في أبريل الماضي، وأمام الاتفاق العسكري للجنة المشتركة الموقع منذ ثمانية أشهر، وكذلك أمام الجهود الإقليمية والدولية، وذلك بالإعلان، وبوضوح تام، أن أنقرة لن تسحب قواتها من ليبيا، وهو ما يعني إعادة خلط الأوراق من جديد، وتهميش الاتفاق السياسي المنبثق عن ملتقى تونس للحوار السياسي في نوفمبر الماضي، اعتبارا إلى أن قوى ليبية عدة ترى أن لا توحيد للمؤسسة العسكرية في ظل الوجود التركي، ولا مجال لتنظيم انتخابات في بلد تخضع عاصمته ومنطقته الغربية للتدخل الخارجي بشكل سافر، ولحكم ميليشيات مسلحة لا تزال تتطاول على القانون وعلى فكرة ومفهوم الدولة كما حدث في العجيلات الخميس الماضي، حين أدى هجوم ميليشيات “الفار” على ميليشيات “شلفوح” إلى اشتباكات في الشوارع أدت إلى مقتل 7 وإصابة العشرات، في ظل صمت حكومة عبدالحميد الدبيبة.

Thumbnail

لم يعد غائبا عن المتابعين، أن هناك صراعا حقيقيا في مراكز النفوذ داخل طرابلس، وأن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بات شبه معزول، وأن نائبه عن إقليم فزان موسى الكوني غير سعيد بما يجري حوله، حتى أنه غرّد منذ أيام “عذرا فايز السراج، فكل منّا فايز السراج”. بما يعني أن لا فرق بين ما كان وما هو كائن، وهو الذي استقال في يناير 2017 من ذات المنصب تقريبا الذي وصل إليه عبر اتفاق الصخيرات، بينما تتعرض وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش إلى حملات معادية بسبب موقفها من الوجود الأجنبي، ولو أن أهمية حضورها البروتوكولي كواجهة تساعد على تلميع صورة الواقع باعتبارها أول امرأة تمسك حقيبة الخارجية في بلادها منذ الاستقلال، ولولا الدعم الدولي الذي تحظى به لأقيلت من منصبها.

وبالمقابل، يضع نائب الرئاسي عن إقليم طرابلس عبدالله اللافي كل البيض في سلة الإخوان، ويعلن دعمه لاستمرار الوجود التركي من منطلق جهوي، ويعيّن وزيرين من حكومة السراج مستشارين له وهما وزير الخارجية محمد السيالة ووزير الدفاع صلاح الدين النمروش اللذان يعتبران من أبرز مهندسي الدور التركي. كما أن رئيس ما يفترض أنها حكومة للوحدة الوطنية الدبيبة تغلبت عليه النزعات الجهوية (مصراتة) والفئوية (الأعمال) والمصالح الخاصة وهو الذي توجد أغلب استثماراته في تركيا، وتشابكات مصالح الأسرة الموسعة مع قيادات إخوانية بارزة من بينها علي الصلابي، ليتخذ مواقف تكاد تجعل منه نسخة جديدة للسراج، وليرى المقربون منه أن لا مشكلة في نسف خارطة الطريق إلا استمرار الوضع على ما هو عليه، بما يعني بقاء السلطات القادمة من اجتماع جنيف في الحكم، وعدم التأثر بما نص عليه البرلمان من أن الحكومة ستتحول إلى حكومة تصريف أعمال في الرابع والعشرين من ديسمبر، موعد الانتخابات المقرر. أولا، لأن البرلمان ذاته بات فاقدا للشرعية والفاعلية. وثانيا، لأن الساحة الليبية ومعها المجتمع الدولي، اعتادا على خرق التوافقات، وفرض سلطة الواقع على سلطة القانون.

من يتابع المشهد في طرابلس، يدرك للوهلة الأولى أن صراعا على النفوذ يدار من قبل تيار الإسلام السياسي والقوى الجهوية وأمراء الحرب، وجميعهم يربطون مصالحهم ببقاء القوات التركية في غرب البلاد، ويخشون المواجهة ليس مع الجيش كما يزعمون، وإنما مع الشعب الليبي الذي يستشرفون أنه سيطيح بهم عبر صناديق الاقتراع، كما أن صراعا محتدما على الثروة والمصالح تشارك فيه قوى داخلية وخارجية، وعواصم إقليمية ودولية وشركات عابرة للقارات، ولكن تركيا تدافع عمّا ترى أنه حقها في الفوز بقصب السباق، وبالنصيب الأكبر، وهي التي لا تتوقف عن تذكير الفاعلين الأساسيين في المشهد بأنها الواقفة وراء وجودهم والضامنة لبقائهم، وأنها الحاضنة الرئيسية لمشاريعهم الاستثمارية الناتجة بالأساس عمّا نهبوه من أموال الشعب الليبي، وتغطي على كل ذلك، بشعارات وهمية من نوع الوفاء للعلاقة التاريخية، والدفاع عن الأمن والاستقرار والحل السياسي.

إن إعلان الأتراك عن استمرار بقائهم في ليبيا لا يعني إلا اتجاههم لفرض سياسة الأمر الواقع بالضغط على السلطات القائمة في طرابلس، وهو ما سيدفع إلى استمرار الصراع وتواصل حالة الانقسام. وإذا كانت أنقرة تعتمد على عنصر الزمن في فرض دورها، فإن على المجتمع الدولي إما أن يحسم موقفه بكل حزم، أو أن ينفض يديه ويتخلى عن مزاعمه برعاية الحل، لأن الحل لن يتحقق وتركيا تتحكم في مقاليد الحكم في ليبيا.

9