قرار توماس كوك يكشف حجم أزمة السياحة التونسية

أشعلت الآفاق القاتمة لصناعة السياحة التونسية صفارات الإنذار ودفعت الخبراء إلى التحذير من إمكانية انهيارها خلال العام الحالي، بعد أن تكبدت خسائر تصل إلى نصف مليار يورو العام الماضي والإعلان عن تمديد إلغاء رحلات بريطانية.
الخميس 2016/01/28
في وداع تونس

لندن - أعلنت شركة توماس كوك البريطانية للرحلات السياحية، تمديد إلغاء رحلاتها إلى تونس حتى نهاية أكتوبر المقبل، ما يعني أن الموسم السياحي التونسي لهذا العام انتهى قبل أن يبدأ.

ويأتي التمديد بعد أن علقت الشركة رحلاتها إلى تونس في يونيو الماضي حتى نهاية فبراير المقبل، إثر الاعتداء الإرهابي على أحد فنادق مدينة سوسة وأودى بحياة 30 سائحا بريطانيا. لكنها قالت، الأربعاء، إن الإلغاء لا يشمل الرحلات التي تنظمها الشركة من خارج بريطانيا.

ومن الواضح أن القرار جاء عطفا على ما كشفته مصادر بريطانية مطلعة، في وقت سابق، من أن لندن لا تزال قلقة إزاء عدم رد الخارجية التونسية على مقترحها بتقديم ضمانات رسمية لرعاياها لاستئناف الرحلات السياحية نحو تونس.

وكانت حكومة ديفيد كاميرون طلبت تلك الضمانات لكي تتمكن من رفع التحذيرات، لكن السلطات التونسية لم تقم بخطوات جدية لحل المسألة حتى الآن.

وسجلت السياحة التونسية أرقاما سلبية جدا العام الماضي، حيث تراجعت أعداد السياح البريطانيين إلى 207 آلاف مقابل 419 ألفا في عام 2014، أي بتراجع يزيد على 50 بالمئة.

ويتوقع الخبراء أن يكون العام الحالي عاما أسود للسياحة التونسية جراء القرار البريطاني، بسبب ترجيح أن تتخذ دول أوروبية أخرى إجراءات مماثلة، في ظل المخاوف الإرهابية التي كانت السبب الرئيسي في حالة الانكماش الاقتصادي وتراجع معدل النمو في البلاد.

سلمى اللومي: السياحة التونسية وصلت إلى مرحلة الأزمة وبدت عليها علامات الاحتضار

وأكدوا أن إعادة هيكلة القطاع السياحي أصبحت أمرا ملحا لإنقاذه من شبح الإفلاس المخيم على مؤسساته، والذي قد يتسبب في كارثة أكبر على المدى البعيد، إذا اتجه السياح إلى أسواق بديلة.

وتقلصت عوائد القطاع، الذي يعد أحد أهم شرايين الاقتصاد التونسي خلال الأحد عشر شهرا الأولى من العام الماضي بنسبة 33.8 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق مؤشرات البنك المركزي التونسي بسبب الاضطرابات، مما أثر سلبيا على الميزان التجاري واحتياطات البلاد من العملات الأجنبية.

وأقرت وزارة السياحة بأنها فقدت ثقة أهم الأسواق العالمية وفي مقدمتها بريطانيا وألمانيا، ما أدى إلى غلق 270 فندقا سياحيا من أصل 570 فندقا خلال العام الماضي جراء عزوف السياح الأجانب.

وحذرت وزيرة السياحة سلمى اللومي، في وقت سابق، من أن القطاع، الذي يوظف حوالي 400 ألف شخص، وصل إلى مرحلة الأزمة وانهياره يهدد بتأجيج حلقة مفرغة من التطرف. وقالت إن “الفنادق تغلق أبوابها والسياحة تحتضر وأحد مصادر الإرهاب فقدان الأمل”.

وتوقع حسام عزوز، رئيس المجمع المهني للسياحة أن تتعمق أزمة أداء السياحة خلال النصف الأول من العام الجاري، مشددا على ضرورة استرجاع تونس لأسواقها السياحية وفي مقدمتها أسواق بلدان الاتحاد الأوروبي.

وكانت وزارة السياحة أعلنت الصيف الماضي عن خطة لإنقاذ القطاع شملت أساسا إعادة جدولة ديون مؤسسات سياحية ومنحها قروضا جديدة استثنائية، في حين قررت الحكومة تفعيل منح التأشيرة للمجموعات السياحية المنظمة القادمة من الصين والهند وإيران والأردن ومنح تأشيرة متعددة الدخول لفترة سنة كاملة لرجال الأعمال والمستثمرين الأجانب.

لكن يبدو أن تلك الخطوة لم تحقق نتائج ملموسة. ويرجع الخبراء ذلك إلى “الأيادي المرتعشة” التي تدير الحكم، لكنهم قالوا إن انتعاشة السياحة الداخلية ساهمت بشكل طفيف في إنقاذ العشرات من الفنادق من الإفلاس والتخفيف من حدة الأزمة.

حسام عزوز: أزمة السياحة ستتعمق خلال النصف الأول من العام الجاري دون حلول عاجلة

وتقود وزارة السياحة جهودا تهدف إلى إنعاش القطاع السياحي الحيوي من خلال حزمة من الإجراءات لتشجيع التونسيين على السياحة الداخلية من بينها تخفيضات كبيرة على الإقامة في الفنادق بنسبة تصل أحيانا إلى 30 بالمئة.

وأكد رئيس الجامعة التونسية للنزل رضوان بن صالح أن التونسيين ساهموا بدرجة كبيرة في إنقاذ الكثير من الفنادق، وأشار إلى أنها “تشهد إقبالا كبيرا من قبل التونسيين خاصة في نهاية الأسبوع حيث تصل نسبة الإقبال إلى حدود 75 بالمئة”.

وتظهر بيانات إحصائية رسمية أن نسبة إقبال التونسيين على الفنادق خلال العام الماضي ارتفعت إلى أكثر من 80 بالمئة في عدد من المناطق السياحية بعد أن كانت لا تتجاوز نسبة 12 بالمئة.

ويتواصل العمل حاليا على تهيئة المناطق السياحية في كل من ولايات قابس وتطاوين ومدنين والقصرين (سبيطلة) والمنستير (البقالطة) والمهدية (الغضابنة) وبنزرت.

وتشير بيانات رسمية إلى أن عدد السياح القادمين إلى تونس بلغ قرابة خمسة ملايين سائح، حتى نوفمبر الماضي، بنسبة تراجع تقدر بنحو 26 بالمئة بمقارنة سنوية.

ورغم ذلك، احتلت تونس المرتبة الرابعة من بين الوجهات الخمس الأولى للدول الأفريقية الأكثر جاذبية للسياح، بحسب آخر إحصائية لمنظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة، حيث قصدها 8 بالمئة من مجموع السياح الذين زاروا القارة.

وتعتبر السياحة أحد أهم القطاعات الحيوية التي كانت تدر عوائد كبيرة لخزينة تونس، وبلغت مساهمتها نحو 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت توفر ما يصل إلى 20 بالمئة من دخل تونس السنوي من العملات الأجنبية، إضافة إلى توفيرها الآلاف من فرص العمل.

10