قرار دمج ميليشيا الحشد مقامرة سياسية حقيقية

طرح عبدالمهدي يشكل خطوة يُنظر إليها على أنها محفوفة بالمخاطر السياسية من قبل رئيس وزراء يقع في وسط تنافس خطير بين طهران وواشنطن.
الجمعة 2019/07/05
الحشد الشعبي عنوان المأزق القادم في العراق

أصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي مرسوما أمر باندماج ميليشيات الحشد الشعبي، المدعومة من إيران، في القوات المسلحة الرسمية في خطوة محفوفة بالمخاطر السياسية في مشهد أمني وسياسي مضطرب تملك فيه هذه الميليشيات المدعومة من إيران، والتي لا تخضع للحكومة، قوة مؤثرة يصعب معها السيطرة عليها، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حقيقة طرح عبدالمهدي، وهل يمكن تحقيقه أم هو مجرد مناورة تستهدف على الأرجح استرضاء الولايات المتحدة.

قاسم عبدالزهرة- زينة كرم

بغداد –  أعلنت الحكومة العراقية عن قرار يقضي بإدماج قوات التعبئة الشعبية (الحشد الشعبي)، المتكونة من ميليشيات مسلحة مدعومة من إيران، تحت قيادة القوات المسلحة، في خطوة يُنظر إليها على أنها مقامرة سياسية من قبل رئيس وزراء يقع في وسط تنافس خطير بين إيران والولايات المتحدة.

وفي مواجهة ضغوط من الولايات المتحدة للحد من الميليشيات، تسمح هذه الخطوة لرئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بإظهار موقف متشدد قبل زيارة مقررة لواشنطن، من المتوقّع أن تتم في الأسابيع المقبلة. مع ذلك، من غير المحتمل أن يكون قادرا على كبح جماح الميليشيات القوية المدعومة من إيران، ويخاطر بالخروج كزعيم ضعيف وغير فعّال إذا لم يفعل ذلك.

إبراهيم الزبيدي: ينبغي البحث والتدقيق في المُخبَّأ من أهداف قرار عبدالمهدي
إبراهيم الزبيدي: ينبغي البحث والتدقيق في المُخبَّأ من أهداف قرار عبدالمهدي

ويقول الكاتب العراقي إبراهيم الزبيدي، إن قرار عادل عبدالمهدي لم يكن مفاجئا، لكن، “خلافا لكل من تفاءل بهذا القرار وظنه ترويضا للميليشيات، أو تركيعا لها، أو تقليما لأظافرها من أجل استعادة هيبة الدولة وتعزيز سلطتها، ينبغي البحث والتدقيق في المُخبَّأ من أهدافه ومراميه”.

منذ أن تأسست قوات الحشد الشعبي، في ذروة الحرب ضد تنظيم الدولية الإسلامية (داعش)، شكّل مستقبل هذه الميليشيات سؤالا كبيرا، خاصة بعد أن استقوت وأصبحت لاعبا مؤثرا في الساحة العراقية، حتى أن قادتها خاضوا الانتخابات.

وصارت هذه الميليشيات المكوّنة من أغلبية شيعية والمعروفة مجتمعة باسم قوات التعبئة الشعبية، قوة سياسية مهمة تتكون من وزراء حكوميين و48 مقعدا في البرلمان المكوّن من 329 عضوا.

وفي ظل الضغط لتوضيح وضعية الحشد الشعبي، قال عبدالمهدي للصحافيين في مؤتمر صحافي أسبوعي “لقد حان الوقت لتنظيم وضعهم بطريقة قانونية، بمعنى أنهم لن يحصلوا على أسلحة خارج إطار الدولة”.

ورحب قادة الميليشيات الكبرى، مثل عصائب أهل الحق، وبدر وكتائب السلام، بالقرار، ووصفوه بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن أحد قادة الميليشيات قال إن لدى جماعته مكاتب سرية لن يغلقوها، ووصف قرار عبد المهدي بأنه “أميركي”. وقال إن رئيس الوزراء والأميركيين “يحلمون” إذا اعتقدوا أنهم يستطيعون تنفيذ القرار.

قوة مقدسة

فاروق يوسف: الحشد الشعبي هو الحل الطائفي لغياب الجيش الوطني
فاروق يوسف: الحشد الشعبي هو الحل الطائفي لغياب الجيش الوطني

 عندما دعا آية الله علي السيستاني، في صيف عام 2014، المتطوعين إلى رفع السلاح لمواجهة تنظيم داعش بعد أن سيطر على ما يقرب من ثلث العراق، بما في ذلك مدينة الموصل في هجوم أدى إلى انهيار القوات العسكرية والأمنية العراقية استجاب عشرات الآلاف من العراقيين الشيعة للدعوة.

واستغلت فصائل مسلحة، مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، فتوى السيستاني لتوسيع دائرة التجنيد في صفوف الشبان الشيعة، ما سمح لها لاحقا بإرسال المئات منهم للقتال إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد، في النزاع المحلي الذي يشهده البلد المجاور للعراق منذ مارس 2011.

وكانت الكثير من هذه الميليشيات موجودة منذ سنوات. وقاتلت القوات الأميركية في العراق بعد غزو عام 2003. وبدعم صريح من الحكومة العراقية، التي ارتهن قرارها بطهران، لعبت الميليشيات، التي كانت ترفع الراية الطائفية، دورا رئيسيا في الحرب ضد داعش وحماية الأضرحة الشيعية في العراق. وبعد انتهاء الحرب، تم اعتبارها “قوة مقدسة تدافع عن الأغلبية الشيعية في العراق”.

ساعد ذلك في تكريس دور الميليشيات كلاعب سياسي وشبه عسكري رئيسي في عراق ما بعد داعش، على الرغم من الاقتراحات الأميركية بأنه ينبغي حلها بعد طرد داعش من البلاد. والتحذيرات من الأدوار المستقبلية التي ستلعبها هذه الميليشيات وتأثيراتها على القرار السياسي وسيادة العراق.

جو ماكارون: قرار عبدالمهدي يضفي شرعية على التأثير الإيراني
جو ماكارون: قرار عبدالمهدي يضفي شرعية على التأثير الإيراني

ويقول الكاتب العراقي فاروق يوسف إن “الحشد الشعبي هو الحل الطائفي لمشكلة غياب الجيش الوطني”، مضيفا أن “بنية ذلك الحشد الذي جرى تأليفه من مجموعة من الميليشيات الخارجة على قانون الدولة من شأنها أن تعيق إمكانية قيام أي محاولة لبناء جيش في المستقبل”.

تتواجد فصائل الميليشيات المسلحة بالدبابات والأسلحة الثقيلة في كل محافظة عراقية تقريبا، وفي كثير من الحالات متجذرة بعمق في الحكم المحلي ومؤسسات الدولة المتنافسة، ويُعتقد أن عددهم أكثر من 140 ألف مقاتل.

 وعملت قوة الميليشيات المتنامية، بما في ذلك في بعض المناطق ذات الأغلبية السنية، على إثارة قلق ليس فقط بين السنّة في العراق فحسب، بل أيضا بعض المسؤولين في الجيش والحكومة التي يقودها الشيعة، والذين يخشون أن تهيمن الميليشيات على العراق بالطريقة التي يسيطر عليها الحرس الثوري في إيران وحزب الله في لبنان.

وقال جو ماكارون، زميل مقيم في المركز العربي بواشنطن العاصمة، “يبقى هدف النظام الإيراني هو دمج قوات التعبئة الشعبية كتكوين مستقل داخل الهيكل العسكري، مثل قوات الحرس الثوري الإيراني، ليصبح الحرس الثوري العراقي”.

توقيت هام

واثق الهاشمي: ميليشيات الحشد الشعبي لن ترد على الحكومة
واثق الهاشمي: ميليشيات الحشد الشعبي لن ترد على الحكومة

في مارس 2018، سعى رئيس الوزراء آنذاك، حيدر العبادي، إلى احتواء الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق من خلال جعلها جزءا من القوات المسلحة رسميا -بناء على تصويت برلماني في نوفمبر 2016- لكن الميليشيات ظلت مستقلة إلى حد كبير.

في المقابل، يذهب قرار عبدالمهدي، الذي صدر ليلة الاثنين الماضي، إلى أبعد من مجرد وضعهم تحت قيادة الجيش، حين أمر الميليشيات بالتخلّي عن أسمائها وإغلاق مقارّها المحلية ومكاتبها الاقتصادية. وأعطاها مهلة حتى نهاية الشهر للامتثال للقرار.

وقال إن الميليشيات التي لا ترغب في تنفيذ القرار يمكن أن تتحوّل إلى أحزاب سياسية غير مسلحة، مضيفا أن أي فصيل مسلح يعمل “علنا أو سرا” ضد القواعد الجديدة سيعتبر غير شرعي. لكن، ولم يوضح عبدالمهدي كيف سيتم تنفيذ الأمر.

وتوقيت إصدار القرار جدير بالملاحظة، وسط التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران وسلسلة من الهجمات غير المعلنة على المصالح الأميركية في البلاد، والتي زادت من المخاوف الإقليمية وأثارت المخاوف من أن العراق قد يصبح ساحة معركة.

وأدت الهجمات، بما في ذلك الصواريخ التي أطلقت بالقرب من السفارة الأميركية والقواعد العسكرية الأميركية، إلى إحراج القيادة العراقية، مما زاد من صعوبة موازنة عملها الدقيق بين حلفائها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه بشكل واضح لتلبية احتياجات الولايات المتحدة، كانت خطوة عبدالمهدي منسقة بشكل واضح مع إيران، على أن يكون مفهوما أن هذه الميليشيات لن يتم حلها، ولن يتم دمجها بالكامل في الجيش.

ظافر العاني: الأفضل دمج قوات التعبئة الشعبية مع قوات الأمن
ظافر العاني: الأفضل دمج قوات التعبئة الشعبية مع قوات الأمن

ووصف المنتقدون القرار بأنه غير فعّال ولن يترجم على أرض الواقع. وقال المحلل السياسي العراقي واثق الهاشمي “لن ترد هذه الفصائل على الحكومة، خاصة لأنها متفقة أيديولوجيّا مع إيران وتتلقى أوامر مباشرة من طهران”.

وقال ظافر العاني، وهو نائب برلماني سنّي، إنه يأمل ألا يكون ذلك مجرد “حبر على ورق”، مضيفا أنه كان من الأفضل دمج قوات التعبئة الشعبية مع قوات الأمن وإلغاء الميليشيات تماما.

ويرى ماكارون أن عبد المهدي يشتري الوقت لأنه يتعرّض لضغوط من كل من واشنطن وطهران. وقد يكون وضع قوات التعبئة الشعبية رسميا تحت قيادة الجيش العراقي وسيلة لردع أيّ هجوم من جانب الولايات المتحدة أو غيرها. واقترح المسؤولون الأميركيون أن ترد الولايات المتحدة على أي هجوم يستهدف المصالح الأميركية في العراق.

وقال ماكارون “البعض في واشنطن والعالم العربي يرحبون بهذا القرار العراقي لكن الحقيقة أنه لن يتم تنفيذه دون موافقة إيران. وهو في الواقع يحافظ ويضفي الشرعية على التأثير الإيراني على المدى الطويل”.

6