قرار سياسي "مذكر"

وقوف المرأة ندّا قويا جنبا إلى جنب الرجل لم يمنحها المكانة التي تستحق في أن تكون شريكة فعلية في هندسة القرارات الناطقة باسم الدولة.
الثلاثاء 2018/03/06
مسافة فاصلة بين المؤهلات والتمكين

“سنصير شعبا (رجالا ونساء) حين ننسى ما تأمرنا القبيلة”، حتما تنطبق هذه المقولة على كل الشعوب العربية بلا استثناء في علاقة بالإرهاصات الكبرى التي مازالت تُكبّل المرأة وتعيقها وتجعل منها فقط وقودا لتطوير المجتمع وتقدّمه، لكن دون مشاركة فعليّة لها في صنع القرار أو السياسيات والخيارات.

حضور المرأة في كل الملاحم ووقوفها ندّا قويا جنبا إلى جنب الرجل في مختلف الفترات العصيبة التي عرفتها الشعوب العربية، وخاصة عبر مساهماتها النضالية أو حتى الفكرية في فترات الاستعمار لم يشفعا لها إلى اليوم، ولم يمنحاها المكانة التي تستحق في أن تكون شريكة فعلية في تسطير وهندسة القرارات الناطقة باسم الدولة أو توجهاتها في كل المجالات.

ورغم كل ما تقدّمه المرأة من نجاحات في مجالات عدّة منها التعليم أو تبوّؤها مكانة عالمية مرموقة في قطاعات حسّاسة كالطب والطيران والأدب والعلوم الحديثة الأكثر تعقيدا وخلقا وابتكارا، فإن التعامل معها بقي جافا وعادة ما يُشعرها بأنها كائن منقوص بالارتكاز على عدة مبررات منها ما أنتجته تأويلات فقهية خاطئة على سبيل المثال للآية الكريمة وَ”لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ” أو بسبب الموروث العربي الذي مازال في صراع ملحمي ووجودي دائم مع فكرة المجتمع الذكوري.

وتزامنا مع صمّ آذان الشعوب العربية بصفة تكاد تكون يومية بشعارات مفادها تحقيق تطور في القوانين والتشريعات المناصرة لقضايا المرأة والمدافعة عن مكانتها ككائن بشري مُكتمل الحقوق، كالتزام جلّ الدول العربية باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) المعتمدة دوليا منذ العام 1979، فإن حقيقة تموقع المرأة العربية في مجتمعها لا توحي أبدا بخروجها من بوتقة الاغتراب التي تضعها دائما كعنصر ثانوي مكمّل للرجل فحسب.

وعلى أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة العربية، فإن مسألة مشاركتها صنع القرار السياسي مازالت موضوعا جدليّا وشائكا بامتياز في كل الدول العربية بلا استثناء وبمن فيها الدول التائقة للحرية، أو التي تعيش على وقع بناء ديمقراطيات ناشئة إثر التحوّلات التي شهدتها منذ العام 2011 عقب ما يعرف بثورات الربيع العربي.

على أهمية الدور الذي تضطلع به المرأة العربية، فإن مسألة مشاركتها صنع القرار السياسي مازالت موضوعا جدليا وشائكا بامتياز في كل الدول العربية بلا استثناء

كل هذه المكبّلات الموضوعية تدفع وجوبا إلى مواصلة طرح تلك التساؤلات المطروحة على الشعوب العربية منذ أكثر من مئة عام، ومنها ما يتعلّق بنسب مشاركة المرأة العربية ومدى قدرتها على التأثير في الحياة السياسية والحزبية ومؤسسات المجتمع المدني أو المنظمات النقابية.

ومن المفارقات الغربية التي تغزو كل الدول العربية أن قياداتها تُدرك جيّدا مدى أهمية الأدوار التي لعبتها المرأة خفيّة تاريخيا، أو تلعبها حاضرا في الشأن السياسي لكنها في المقابل تتمسّك بإدارة ظهرها عنوة لهذه الحقيقة لا لشيء وإنما لحصر قدرة المرأة وإبعادها عن مراكز القرار والنفوذ الرسميين.

ولئن برهنت المرأة العربية بمختلف مرجعياتها ومشاربها الفكرية أو حتى تمظهراتها الجسدية عن قدرتها في أداء ما يُعرف سوسيولوجيّا بوظائف الدعم والإسناد أو المسؤوليات الإدارية في القطاعين العام أو الخاص على حدّ السواء، إلا أن حضورها في مناصب سياسية هامة تكون قادرة فيها على إنتاج فكر وخيارات وسياسيات كمناصب رئيس للدولة أو رئيس للحكومة أو وزير ظلّت باهتة أو بالأحرى منعدمة في جل الدول العربية.

وما يؤكّد تواصل فرض مفهوم النزعة الرجولية ورفض فكرة أن تكون المرأة العربية في سدّة القيادة أن بعض الدول ومنها على وجه الخصوص تونس- الأكثر تطورا وتقدّما عربيا في مستوى التشريعات الحامية للمرأة ومكانتها- وجدت نفسها تتفاخر وتتبجّح بتخليص المرأة من براثن العبودية والنقص والضعف مقارنة بالرجل، لكن دون التخلّص من إرث الماضي العربي الثقيل الذي لا يقبل أبدا أن تُصنع الأفكار والخيارات في مطبخ سياسي نسوي.

والدليل على تعمّق هذه “السكيزوفرينيا” لدى نخب وقيادات الدول العربية، أن كل الأحزاب التونسية مثلا بيسارها ويمينها اصطدمت مؤخّرا بصفعة الانتخابات المحلية التي تفرض عليها وجوب التناصف بين المرأة والرجل لدى تشكيل القائمات الانتخابية، فكانت النتيجة رفض المئات من القائمات وإسقاطها لأنها لم تحترم حضور المرأة وذلك ليس لندرتها أو غيابها، بل لعدم الاعتقاد في قدرتها على الإقناع والاستقطاب والقيادة.

جانب آخر ضعّف وكبّل مشاركة المرأة في مراكز صنع القرار بالمجتمعات العربية يتعلق بأغلب قوانين الأحوال الشخصية التي لم تخدم مصلحة المرأة بقدر ما أضرّت بصورتها ومكانتها، ومنها ما يرتبط مباشرة بجعل دورها حتى في صنع القرار داخل الأسرة ضعيفا، وهو ما انسحب بصفة آلية على ضعف مساهمتها في الحياة العامة ليكون حضورها باهتا وغير مستقلّ بل وتابع بصفة كليّة للرجل.

12