قرار سياسي يعطل تطبيع الأوضاع في الفلوجة ويعرقل إعادة إعمارها

سكان مدينة الفلوجة ممتعضون من قرار حكومة بغداد مواصلة تجميد نشاط الحي الصناعي في مدينتهم والذي يصفونه بعصب الاقتصاد فيها، وذلك لأسباب غير مقنعة ما يثير مخاوف البعض من أنّ وراء القرار نوازع انتقام طائفي من المدينة التي نُظر لها منذ ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق كمركز للتمرّد، ولم يتردّد بعض الطائفيين في وصفها بـ”رأس الأفعى وحاضنة الإرهاب”.
الأربعاء 2017/08/09
بارقة أمل بمستقبل أفضل

عمّان – يعرض عراقيون الوضع القائم في مدينة الفلّوجة ثاني أكبر مدن محافظة الأنبار بغرب العراق، حاليا وبعد مضي أكثر من عام على إعلان استعادتها بالكامل من تنظيم داعش في شهر يونيو 2016، باعتباره نموذجا عن صعوبة تطبيع الأوضاع والتخلّص من مخلّفات الحرب وتبعاتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في المدن والمناطق التي دارت فيها المعارك الرئيسية ضدّ التنظيم المتشدّد.

ويؤكّد سكّان الفلّوجة أنفسهم أنّ الحياة في مدينتهم لم تعد إلى طبيعتها، مشيرين إلى أنّ عددا من السكان لم يعودوا إلى ديارهم.

ويشدّد هؤلاء بشكل خاص على تعطّل عجلة الاقتصاد وانعدام موارد الرزق بسبب تعطّل ما يصفونه بـ”عصب حياة” المدينة في إشارة إلى الحي الصناعي المغلق حاليا بأمر سياسي عسكري من الحكومة المركزية في بغداد.

وبحسب الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، ليز غراندي، فإن مدينة الفلوجة تتعافى من آثار الحرب والدمار، وحصل أكثر من 60 بالمئة من السكان على مياه شرب نظيفة بعد إعادة إعمار محطة الأزرقية لمعالجة المياه.

لكن مياه الشرب ليست وحدها مشكلة الفلوجيين، كما يقول سكان محلّيون لصحيفة “العرب”، مشيرين إلى أنّ الأهالي لم يتمكّنوا إلى الآن من إعادة إعمار منازلهم التي ما تزال على حالها بعد الخراب الذي طالها خلال الحرب.

ويقول عامر غسان الكبيسي الذي كان قد غادر الفلّوجة إلى السليمانية بإقليم كردستان العراق، ثم عاد بعد نهاية الحرب إن نحو 80 بالمئة من أهالي مركز المدينة الذين يبلغ عددهم نحو 500 ألف نسمة عادوا الى مدينتهم، لكنهم يواجهون مشكلات كبيرة وكثيرة. وأول هذه المشكلات، هي إعادة بناء منازلهم المدمرة، فالكثير منهم لا يملكون المال اللازم، ومن يملكه فإنه يواجه عقبات الأسعار المرتفعة لنقل مواد البناء والانشاءات من بغداد إلى الفلوجة، اذ يطالب سائقو الشاحنات بثلاثة أضعاف الأجرة المعتادة بسبب أيام الانتظار، التي يقضونها لعبور سيطرة الصقور المؤدية إلى المدينة حيث تجري عمليات تدقيق أمني تفوق في شدّتها وتعقيدها ما يجري لدى العبور من بلد إلى بلد آخر.

عبدالكريم عفتان: الأهالي قدموا كل ما طلب منهم لإعادة فتح الحي الصناعي، لكنه لم يفتح

وبالإضافة إلى هذه المشكلة، يتابع الكبيسي، أن هناك مشكلة الألغام والعبوات الناسفة، إذ تم تطهير قرابة مليوني متر مربع من المناطق الملوثة بها، لكن ما تزال هناك عبوات مزروعة وبعضها داخل البيوت نفسها.

أما عمر سليمان الجميلي، وهو من أبناء الفلوجة العائدين إليها بعد استعادتها من داعش، فيقول إن الحياة على صعوبتها في الفلوجة، تظلّ أفضل بكثير من الوضع في المخيمات، مضيفا أن إعمار المدينة يحتاج إلى جهد دولي كبير وليس إلى جهد حكومي فقط، فقد دمّر تنظيم داعش المدينة، بينما أتت معارك استعادتها منه على ما تبقى من معالمها.

ويوضح أنّه نتيجة لداعش والعمليات العسكرية تم تدمير 27 مسجدا و12 مدرسة و21 دائرة حكومية بينها جسر الفلوجة الثالث، بالإضافة إلى الآلاف من البيوت والمحالّ العائدة للمواطنين.

ويتفق وزير الكهرباء السابق عبدالكريم عفتان مع الجميلي بشأن الحاجة إلى جهد دولي وشركة استثمار عالمية من أجل إعادة اعمار الفلّوجة. ويقول إنّ المحرك الأساسي للاقتصاد في المدينة والمناطق المحيطة بها هو الحي الصناعي، لكنه ما زال مغلقا بوجه أصحاب المحال بسبب قرار اتخذ في بغداد.

ويعدّ الحي الصناعي في الفلوجة ثاني أكبر تجمع صناعي في العراق، بعد الحي الصناعي في محافظة النجف، ويمثّل شريانا اقتصاديا مهما، فهو مصدر رزق لأكثر من 60 بالمئة من سكان المدينة، فضلا عن المستفيدين من الخدمات الصناعية والميكانيكية التي يقدّمها الحي.

ويقول عفتان إن الآلية التي اعتمدتها الحكومة المحلية تقضي بأن يتحمل شاغلو المحال الصناعية أجور بناء السياج الأمني، وتمّ فرض ما بين 100 و300 ألف دينار على كل صاحب ورشة أو معمل ينوي العودة إلى عمله داخل هذا الحي، وقد قدّم الفلوجيون المال من أجل إعادة افتتاح الحي، لكنهم فوجئوا، بحسب عفتان، بالحكومة المحلية تطالبهم بكلفة نصب نقطتي تفتيش لدخول المنطقة الصناعية والخروج منها مزوّدة بكاميرات مراقبة، وأيضا قدّم الفلوجيون المال لإنجازها، ولم يتم افتتاح الحي.

ووفقاً لعفتان، فإن قيادة عمليات شرق الأنبار طلبت أيضا صحيفة أعمال لكل صاحب محلّ أو ورشة في الحي الصناعي، وقد قدّم كل منهم هذه الصحيفة، لكن الحي لم يفتتح مع ذلك، مشيرا إلى أن مصدرا أمنيا أبلغه أن قرار فتح الحي يجب أن يصدر من بغداد.

ويقول حميد العيساوي، وهو صاحب ورشة حدادة، “لا غنى لنا عن الحي الصناعي ومنشآته، فهو يمثل علامة فارقة للمدينة لما يحتويه من معامل وورش تقدّم خدمات جبارة ليس للمدينة وحدها، وإنما للمدن والقرى المجاورة لمدينة الفلوجة، فلا ضير من تحمل البعض من النفقات”.

لكن أبا مجيد العكيشي، وهو أيضا صاحب محلّ في الحي الصناعي يقول إنّ “الجميع هنا من إدارة محلية وقوات أمنية، ينظرون إلى الحي الصناعي على أنه بؤرة إرهابية تسهم في صناعة المفخخات والعبوات الناسفة، ولا ننكر أن هناك من كان يستخدم هذا الحي لأعمال إرهابية، إلا أننا لا نتحمل وزر هذا الخرق، فنحن أصحاب ورش ومعامل نؤدي أعمالنا لغرض توفير لقمة العيش، ولا علاقة لنا بالمخططات الإرهابية وما ينتج عنها”. ويضيف العكيشي “يجب أن تتكفل الدولة بإعادة إعمار هذا الحي وحمايته، لا أن يتحمل السكان المحليون نفقات تثقل كواهلهم”.

ومن أشدّ ما يخشاه سكان الفلّوجة أن تكون وراء الإصرار على تجميد نشاط الحي الصناعي، خلفيات انتقام طائفي من المدينة التي نُظر إليها منذ الاحتلال الأميركي للعراق كحاضنة للتمرّد على السلطة المركزية، وتمّ وصمها بعد احتلالها من قبل داعش من طرف شخصيات شيعية نافذة باعتبارها “رأسا للأفعى وحاضنة للإرهاب”.

3