قراصنة بلا حدود

السبت 2015/10/03

التقنية، أفسدت علينا حياتنا وعكرت صفو اللحظات الرائقة التي سرقناها من أيامنا في غفلة من زمن أغبر. هذه ليست خطبة حماسية، هذه محصّلة تجارب مريرة أبطالها وبطلاتها مواطنون ومواطنات اعتادوا أن يمثلوا أدوار (الكومبارس) على مسرح الحياة بنفس راضية ومطمئنة، ليجدوا أنفسهم فجأة نجوم شبّاك مشرّع وباب مفتوح على مصراعيه في الشارع العمومي لمركز مدينة مزدحمة، رغم أنوفهم.

رست سفينة القراصنة أخيرا على عتبات دورنا، قراصنة بوجوه باهتة وملامح مشوهة لا تقنع بقطع الطريق على المسافرين في عرض البحر وسرقة أغراضهم ومقتنياتهم، بل تسللت مثل أصابع كائن هلامي لتكشف الغطاء عن خصوصيتنا وتصادر حرياتنا حتى في ذلك المحيط الضيق الذي يدعى سكنا شخصيا.

في هذه الأيام الإلكترونية القلقة، لم تعد القرارات الخطيرة في حياتنا تقتصر على الخيارات المصيرية في الحياة والعمل والأسرة، بل أصبحت تتعلق بصورة خاصة بهاتفنا الجوّال؛ فإذا اتخذنا قرارا خطيرا ببيع الهاتف أو التبرع به لشراء نسخة حديثة أو تبنى الأمر بالنيابة عنا سارق ظريف مهووس باختراق الخصوصيات، فهذا هو الهوان وأي هوان.

جميع الطرق الاحترازية وغير الاحترازية لا تجدي نفعا، بحسب تصريحات متمرسين في عالم التقنية، فضحايا سابقون كانوا أتلفوا ومسحوا ذاكرة هواتفهم الذكية قبل التخلص منها أو استبدالها، لكن ثغرات أمنية بسيطة صار بإمكانها أن تسترجع ماضي أي هاتف جوّال وتفضح صاحبه شرّ فضيحة، والفضيحة هنا تشبه رسائل الحب التي يرسلها خبيث إلى زوجة رجل، كتبها إلى حبيبة مجهولة في زمن المراهقة ونسيها في درج طاولة غرفته القديمة التي أهداها في لحظة كرم إلى بائع عتيق، فكيف يا ترى توصل هذا الخبيث إلى محل بائع العتيق واختار الطاولة من بين عشرات المقتنيات ومن أين حصل على مفتاح الدرج ومن تبرّع بإهدائه عنوان الزوجة المغدورة؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها، في لجّة الانشغال بطلب الطلاق المستعجل.

أكثر من ذلك، بحسب تقنيين أيضا، فإن رسالة بسيطة يمكن تحميلها بالتحايا المذيلة بأبيات شعر جاهلية مع فايروس وسيم تمكّن أي قرصان مبتدئ من السطو المسلح على الصور الشخصية لأي هاتف بريء، يحدث هذا حتى إذا امتنع صاحب الهاتف عن فتح الرسالة! وثم، تتطور العملية إلى بث صور المغدور بالملابس غير الرسمية مع بعض مقاطع الفيديو المنزلية، على الإنترنت مباشرة وبالتوقيت المحلي للفضيحة وضواحيها!

يضيع هاتف فتاة بريئة فتستيقظ في الصباح التالي لتجد صورتها (السيلفي) التي التقطتها في لحظة تصالح مع الشيطان، مشرّعة على صفحات التواصل الاجتماعي، فتتحول دون إرادة منها إلى نجمة شبّاك (الحبايب) يتبادل صورها المعجبون وتذيل ملامحها بكلمات غزل غير محتشمة.

طبعا، طريق الشهرة محفوف بالعراقيل والمخاطر والوصول صعب أحيانا؛ لكن بعض نجوم اليوم من ضحايا الهواتف المسروقة وصلوا من دون علمهم بـ(البيجاما) إلى جمهور لا ينتظرهم ولا يهمه أن يعرفهم، بسبب كبسة طائشة على أزرار كاميرا (موبايلية) غير مهذبة في نهار أسود ضاعت ملامحه.

أما النصيحة المجانية التي تقدمها بعض الوكالات المتخصصة في تقفي آثار الجواسيس الإلكترونيين، فتوصي المواطن الذي يصّر على تحويل حياته اليومية إلى منتجات (سيلفي) محلية الصنع، بتوخي الحذر في اقتناء ملابسه المنزلية ويفضل أن يسبغ عليها رداء فضفاضا لتمويه التفاصيل، كما يتوجب عليه أن يكون في كامل قيافته حتى في أثناء تقطيع البصل في المطبخ قبل أن (يطلع له) قرصان مرتب من الفرن ويحوله، بقدرة المثل الشعبي السوري إلى (باذنجان يصير محشي ومقلي وأبو غنوج) على موقع مزدحم في شارع الفيسبوك العمومي!

21