قربان المراهقة وقرابين الخليفة البغدادي

الأحد 2014/08/31
الحياة التي تفتقد إلى الحد الأدنى من الأمان شكل من أشكال العري

علياء المهدي تريد الانضمام إلى الحرب على الإرهاب. تشهر جسدها العاري في وجهه، معتبرة أنها قادر على هزمه. داعش حجاب سميك كما تراه، ولذا فإن العري الفاضح كفيل بتهديده والقضاء عليه.

داعش يأتي من ظلام غياب الوجه، وهي تعلن عريها بوصفه وجها مكتمل الوضوح وكامل التأويل والدلالات. غياب الوجه صمت، أما حضوره فنطق وكلام، يمنح مالكه الحق في التأويل، وفي اعتبار هذا التأويل مفتاحا لتوكيد سلطة حضوره.


صورة بلا مؤلف


تستحضر علياء الدم، وتضيفه إلى الصورة لتوحي بـ”طزاجة” اللحظة وعنفها، عبر إحالتها إلى مجالي الافتضاض والاغتصاب، وهما مجالان يتماهيان في مفارقة حادة مع مخيال جنسي أصولي تدّعي علياء أنها تحاربه وتكشفه.

العري الذي تريدنا تلقيه بصفته وجها يرتدي في الحقيقة شكل حجاب أشد سماكة وفظاظة من الحجاب الداعشي، لأن أول ما يستحيل حضوره في مشهد العري هو الوجه. لا مكان للوجه في حضور العري، لأن العري لا يتيح الفرصة للكلام والتعبير الذي يمثله الوجه، فهو عبارة عن حالة مفزعة ومؤلمة من انعدام التمركز.

كل العري متشابه ما لم يكن موحدا. من الصعوبة بمكان إلباس أيّ عري ثوبا خاصا من المعاني ما لم يكن فنا خالصا، أو يقدم داخل منطق فني لا تستطيعه الصورة الفوتوغرافية، التي حين تلتقط عريا ما، فإنها تضعه في مجال من الصمت المغلق.

هكذا تطلق علينا علياء المهدي صورة بلا مؤلف أو مرجعية محددة ما يجعلها خاضعة لتعريف ريجيس دوبريه لهذا النوع من الصورة إذ يرى أنه يأخذ مباشرة صفة الصنم، ونأخذ معها نحن صفة الوثنيين الراغبين في عبادتها هي مباشرة عوض الإيمان من خلالها بالواقع الذي تعيّنه.

أمام كل هذا الدم الحقيقي المراق من يملك ترف النظر إلى ذلك الدم الاصطناعي الذي سكبته علياء المهدي على أعضائها الحميمة

لا مرجعية ولا مؤلف في صورة عري علياء المهدي فهي غير قادرة أن تنسب إلى نفسها صفة المؤلف أو المرجع. صورة الجسد العاري قديمة جدا وسابقة بكثير على لحظة تعريها ومحاولتها وضع هذا العري في إطار دلالي مرتبط بالحرب على داعش وتحديه.

إنها لم تؤلف هذه الصورة بل ارتدتها فقط، وسعت لامتلاكها وتوظيفها في سياق تتحكم بدلالاته على أساس أنها مالكة شرعية لبضاعة العري التي تعرضها الصورة.

لم تنتبه إلى أن العري هو مادة شديدة للزوجة والمراوغة وأنه بمجرد دخوله في المجال العام فإن إمكانية نسبه إلى صاحبه تستحيل. ليس هذا الجسد المعرّى في الصورة إذن هو جسد علياء المهدي، ولا حتى عريها إنه عري فقط، مجرد عري.

الخطير في هذه اللعبة أن العبادة التي تتطلبها منا صورة علياء، تمحو مباشرة الموضوع النضالي الكبير الذي صنعت من أجله، ليصبح هو وحده الموضوع. العري الذي يخبر عن نفسه يقتل موضوع الحرب على داعش الذي كان يدّعي أنه يمثله، ويلغي واقع محاربة داعش لصالح عبادته هو.

هكذا نكون أمام ثنائية واضحة القرابة بين صنمية صورة علياء المهدي التي تريد تحويلنا إلى حشد أعمى من المؤمنين مسلوبي الإرادة، وبين جمود وصخرية صورة مبايعة الخليفة أبو بكر البغدادي الذي يريد تحويلنا إلى نوع خاص من المسلمين الذين يستجيبون لشبكة مواصفات صممها على قياسه، والتي لا مجال معها لكي نكون أفرادا أو كائنات تملك أيّ خصوصية أو أيّ حق في تقديم تعريف عن نفسها. نصبح أسرى إسلام البغدادي وليس مسلمين، ونتحول إلى حشد من القرابين المهدورة على الدوام.

ابو بكر البغدادي في مقام الفرجة المبتكرة

العلاقة التي تريدنا صورة علياء وصورة داعش أن ننسجها معها تكمن في مقام الفرجة الذي يحدده الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامين بوصفه لحظة انفصال الصورة عن الواقع وتحولها إلى واقع حقيقي معيش.

هكذا تجعل الفرجة عملية الذبح الداعشية تنفصل عن الواقع الذي تمثله بصفته حادثا جرى وانتهى، وتم توثيقه، وتحوله إلى واقع معيش، فنحن في الفرجة نعيش ونشارك في إنتاج هذا الواقع، حيث يصبح شكل وجود يقطع فيه داعش الرؤوس على الدوام.

صورة علياء المهدي تفعل الأمر نفسه. إنها تجعل العري ينفصل عن تمثيله لواقعة عري محددة و تحوّله إلى عري يُعاش نرتديه كشكل حياة عارية مفتقدة للحد الأدنى من الأمان.

الفرجة تهدف في مآلاتها الأخيرة وفق أغامبين كذلك إلى أن تجعل مرئيا ذلك العالم الذي لم يعد بالإمكان الإمساك به. أمام سيادة خطاب الفرجة، لم يعد من الممكن الإمساك بالجسد العاري الذي صار مرئيا، كذلك لم يعد من الممكن الإمساك بالخرائط المحترقة التي صيّرها مشهد داعش مرئية كذلك.

الخروج من الفرجة ممكن، لا بل ضروري، وإلا ستنجح صورة علياء المهدي وصورة داعش في جعل كل آمالنا وطموحاتنا وجغرافيتنا تتحول إلى خطاب فرجة.

هناك 27 ألف صورة من صور التعذيب الأسدي تم توثيقها حاليا. الفرجة تجعلنا نعبد الضحايا وننسى التعذيب ونتجاهله. وحده خروجنا من أسر الفرجة يمكننا من استعادة العالم الذي يهدره القتلة ويجعلونه عصياً على الوجود.

أمام كل هذا الدم الفعلي والحقيقي المراق من يملك ترف النظر والانتباه إلى ذلك الدم الاصطناعي الذي سكبته علياء المهدي على أعضائها الحميمة. وحده القاتل يملك هذا الترف.

15