قرصان شرعي

الغرب يحتاج اليوم إلى أمثال عروج ريس بصيغة سيبرانية. إذا كنت تواجه قراصنة صينيين وروس يهاجمونك بلا رحمة، كيف ترد؟ الدواء من أصل العلّة.
الأربعاء 2021/03/17
فارسنا اليوم قرصان

القرصان هذا اليوم شيء آخر. انس الشكل التقليدي الذي شاهدناه في الأفلام. يد أو ساق مقطوعة، وعين مغطاة برقعة جلد وببغاء على الكتف وسيف. صورة القرصان في أفلام ديزني “بيتر بان” أو سلسلة “قراصنة الكاريبي” ربما من التاريخ، لكنها لا تنتمي لعالم اليوم. لعل أقرب صورة للقراصنة القدماء هي القادمة من تلك الزوارق السريعة التي يطارد بها القراصنة الصوماليون سفن الشحن البحري بالقرب من مضيق باب المندب. رشاقة أجساد الصوماليين وأسلحتهم وزوارقهم السريعة لا تنتمي إلى تلك الصورة القديمة.

قرصان اليوم أنيق على طريقته. هو إما قرصان يعمل لصالح نفسه على جهاز كمبيوتر، ويرتدي معظم الوقت ملابس رياضية ويطلب وجبات من محل قريب للوجبات السريعة. أو قرصان يرتدي بدلة وربطة عنق ويذهب للعمل في مؤسسة استخبارية غربية مهمة يشنّ الهجمات أو يصدها، أو دائرة حكومية صينية أو روسية أو صربية أكثر أهمية، تشتغل على قرصنة كل شيء، من الأفكار إلى الأجهزة والشبكات.

هذا واقعنا اليوم. وللطرافة فإنه لا يختلف كثيرا عن واقع قراصنة أمس. القائد البحري العثماني الأشهر عروج ريس أو عروج بربروس كان يستخدم أعدادا كبيرة من القراصنة في أسطوله، وهم من أمعنوا في قطع الطرق البحرية على الأوروبيين وخطف النساء من القرى الساحلية الأوروبية على المتوسط وبيعهن سبايا في إسطنبول والقاهرة، وهو الذي أصبح بفضلهم وبدعم الأستانة حاكما للجزائر وقائدا لأسطول غرب المتوسط. مهنة القرصنة أو تشغيل القرصنة مجدية ماليا ومعنويا.

الغرب يحتاج اليوم إلى أمثال عروج ريس بصيغة سيبرانية. إذا كنت تواجه قراصنة صينيين وروس يهاجمونك بلا رحمة، كيف ترد؟ الدواء من أصل العلّة. وكما يستكشف الغرب الآن، ومؤخرا في بريطانيا، أن لا جامعات تخرج لك قراصنة من هذا النوع. عليك أن تدخل عالمهم الغريب وأن تستأمنهم على أنفسهم. عليك أن تُقنع بعضهم أن القرصنة غير القانونية قد تساعد في “اختطاف” أجهزة ومنظومات وطلب الفدية لـ”إطلاق سراحها”. لكنك على موعد مع أجهزة مكافحة الجريمة. موعد قد يكون مؤجلا، لكن التقنيات نفسها التي تستخدم في الغزو هي التي ستستخدم ضدك. عليك أن ترضى بالراتب الذي توفره وظيفة “قرصان شرعي”. اطمئن، الوظيفة لا تحتاج إلى قطع ساق أو فقء عين أو أن تحمل سيفا أو أن يجلس ببغاء ثرثار على كتفك طوال اليوم.

هذه طبيعة حروب عصرنا الراهن. يتم تسريح الجنود النظاميين المقاتلين، ويستبدلون بقراصنة. لا يمكن إلا بقبول معطيات التغيير. قبل مئة عام اختفت الخيل من رفقة الجيوش وانتهى مفهوم الفروسية والصولات وحلّقت الطائرات. بعد قرن من الزمان فارسنا اليوم قرصان.

24
مقالات ذات صلة