قرطبة: مفصل من الإسهام الإسلامي في المشترك الحضاري الإنساني

عندما فتح العرب المسلمون بلاد الأندلس نقلوا إليها الحضارة والعلوم والثقافة، لتصبح مدنها وفي مقدمتها العاصمة قرطبة، منارة للعلم والحضارة التي يقصدها أمراء وملوك أوروبا ليتلقوا العلوم ويتعلموا على أيدي العرب، فأضحت قرطبة الإسلامية درة العلم والحضارة في القارة الأوروبية والعالم الغربي.
الاثنين 2016/05/16
ما خلفه المسلمون في قرطبة من فنون ومعمار وعلوم مازال عصيا على النسيان

تأسست مدينة قرطبة عام 206 ق م، كمستوطنة رومانية على الجانب الشمالي لنهر الوادي الكبير، وسرعان ما صارت عاصمة لولاية بيتيكا ضمن الإمبراطورية الرومانية، وظلت المدينة رومانية لمدة تزيد عن سبعة قرون، إلى أن سقط الحكم الروماني في شبه الجزيرة الإيبيرية (أسبانيا والبرتغال)، وسيطر القوط الغربيون على أمر الجزيرة بأكملها بما فيها قرطبة.

وفي عام 711 ميلادي، فتحت قرطبة أبوابها لجيوش المسلمين بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير، وبعد تثبيت أركان الحكم الإسلامي في المنطقة الإيبيرية، جعل الأمويون قرطبة مقرا لولاتهم على الأندلس، ومنذ ذلك العهد بدأت المدينة تخطُّ لنفسها خطا جديدا، وملمحا مهما في التاريخ، فبدأ نجمها في الصعود كمدينة حضارية عالمية، لا سيما في عام 756 ميلادي عندما أسس عبدالرحمن الداخل، صقر قريش، الدولة الأموية في الأندلس، وذلك بعدما سقطت دمشق على أيدي العباسيين.

كانت بداية العصر الذهبي لقرطبة في عهد عبدالرحمن الناصر، أول خليفة أموي في الأندلس، ومن بعده ابنه الحكم المستنصر، حيث بلغت قرطبة أوج ازدهارها وقمة ريادتها وحضارتها، وأصبحت عاصمة الأندلس الإسلامية، وأهم مدينة في شبه الجزيرة الإيبيرية، ومقرا لخليفة المسلمين في العالم الغربي، واهتم الأمويون في قرطبة بالنواحي الزراعية والصناعية، وبناء الحصون، وشق الترع، وحفر القنوات، وإقامة المصارف، إضافة إلى جعلها منبرا للعلوم والثقافة والمدنية، حتى غدت تنافس القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في أوروبا، وبغداد عاصمة العباسيين في المشرق، والقيروان والقاهرة في أفريقيا، وحتى أطلق عليها الأوروبيون “جوهرة العالم”.

وقد كانت دولة قرطبة من أهم الدول الأوروبية في القرن العاشر، كما كانت منارة للعلم والثقافة في أوروبا، حيث كانت تحوي أكثر من سبعين مكتبة، ما جعلها مقصد أمراء إنكلترا وفرنسا وألمانيا للدراسة وتعلم العلوم المختلفة، أيضا كانت عاصمة من عواصم الأدب والثقافة العربية والإسلامية، وأنجبت المدينة في تلك الفترة الشاعر ابن زيدون، والشاعرة الأموية ولادة بنت المستكفي، والفقيه ابن حزم، والعالم عباس بن فرناس، كما انتقل إليها الموسيقي زرياب وأسس دار المدنيات.

وقال المؤرخ الغربي، جون براند ترند، في وصفه لها “إن قرطبة التي فاقت كل حواضر أوروبا مدنية أثناء القرن العاشر ميلادي كانت في الحقيقة محطَّ إعجاب العالم ودهشته، فقد كان القادمون إليها من الشمال يسمعون بما هو أشبه بالخشوع والرهبة عن تلك المدينة التي تحوي سبعين مكتبة، وتسعمئة حمام عمومي، فإن أدركت الحاجة حُكَّام ليون، أو النافار، أو برشلونة إلى جرَّاحٍ، أو مهندس، أو معماري، أو خائط ثياب، فلا يتجهون بمطالبهم إلا إلى قرطبة”.

تاريخ قرطبة بدأ منذ العصر الإسلامي، عندما أعلنها عبدالرحمن "الداخل" عاصمة له بعد أن سانده مسلمو الأندلس

ومع سقوط الخلافة الأموية بسبب ثورة البربر ونشوء ملوك الطوائف، فقدت قرطبة مكانتها كعاصمة للدولة، وبزغ نجم إشبيلية المجاورة لها كبديل عنها، إلا أنها عادت لتسترد شيئا من مكانتها في دولة المرابطيين تحت حكم يوسف بن تاشفين، وذلك عام 1091، وأعدت كعاصمة للأندلس في عهد الموحدين.

وبعد هزيمة الموحدين في معركة “العقاب” عام 1212، تهاوت معظم المدن الإسلامية في الأندلس في أيدي مملكة قشتالة المسيحية، وسقطت قرطبة عام 1236 على يد فرناندو الثالث بعد ما يزيد على خمسة قرون من الحكم الإسلامي، ففرغت من معظم سكانها المسلمين، وبدأ التضييق على من تبقى منهم، وإجبارهم على اعتناق المسيحية من خلال محاكم التفتيش، التي استخدمت أنواع التعذيب والقتل، حتى كان المسلم يخشى اكتشاف إسلامه حتى لا يقتل، إلى أن قرّرت أسبانيا طرد المسلمين وأحفادهم ممن اعتنقوا المسيحية من سائر البلاد، كما تم طرد اليهود منها أيضا، وذلك في بداية القرن السابع عشر، وتم توزيع الأراضي والإقطاعيات على المهاجرين المسيحيين من الشمال، الذين أعادوا توطين المدن ومنها قرطبة.

ويشير الباحث في تاريخ الأندلس د. راغب السرجاني، إلى أن تاريخ قرطبة الحضاري بدأ منذ العصر الإسلامي، حيث تم رفعها إلى مصاف الحواضر الكبرى، خاصة عندما أعلنها الأمير عبدالرحمن بن معاوية “الداخل” عاصمة له بعد أن سانده مسلمو الأندلس، وقد جعل عبدالرحمن قرطبة مهدا للعلم والثقافة ومركزا للفنون والآداب في أوروبا كلها، فقام بدعوة الفقهاء والعلماء والفلاسفة والشعراء، ما جعلها أكثر مدن أوروبا سكانا وثراء اجتماعيا، لافتا إلى أنه في عهد الخليفة عبدالرحمن الناصر، وابنه الحكم المستنصر من بعده، وصلت قرطبة مستوى من الرخاء والثراء لم تبلغه حاضرة أخرى من قبل، حيث نافست قرطبة بغداد عاصمة العباسيين، والقسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، والقاهرة عاصمة الفاطميين، وتقاطر على البلاط الأموي في قرطبة مبعوثون ومندوبون عن أباطرة البيزنطيين وألمانيا وملوك كل من فرنسا وإيطاليا والممالك الأخرى في أوروبا وشمال أسبانيا، وأمراء ورؤساء القبائل الأفريقية، حاملين معهم الهدايا الثمينة، فيعود الضيوف إلى بلادهم وقد بهرهم ما شاهدوه في بلاط الخليفة المسلم في قرطبة، وظلت المدينة تنعم بهذا التفوق على سائر مدن أوروبا، حتى سقطت الخلافة الأموية عام 1013.

وأضاف السرجاني قائلا “إن المدينة لا تزال تحتفظ ببعض معالمها الإسلامية، فالحيّان الإسلامي واليهودي القديمان مازالا معروفين في قرطبة الحالية، كما بقي مسجدها الضخم قائما في وسطها، شاهدا على أجمل ما أبدعه المسلمون في الأندلس، على الرغم من بناء كنيسة في قلب المسجد في القرن السادس عشر، واستخدامه ككاتدرائية تتبع الكنيسة الكاثوليكية، هذا إلى جانب مدينة الزهراء التي أنشأها عبدالرحمن الناصر باسم زوجته، وتقع في قلبها دار الروضة، وهي قصر عبدالرحمن الناصر، أيضا توجد قلعة “كالاهورا” الإسلامية، وقصر قرطبة “ألكازار” الذي أنشئ في العصر الأندلسي.

12