قرن كامل يفصل طلبة البلدان النامية عن مستوى التعليم العالمي

ما زال أمام دول العالم النامي مشوار طويل للحاق بركب مستويات التعليم عالية الجودة العالمية، فقد أثبتت البحوث والدراسات القائمة على مقارنة مستويات التعليم بين دول العالم أن الهوة شاسعة بين الدول المتقدمة والنامية، حيث اتضح أن البلدان الأكثر فقرا تملك مستوى تعليميا في القرن الحادي والعشرين كانت العديد من البلدان الغربية قد حققته في العقود الأولى من القرن العشرين.
الثلاثاء 2015/05/05
بلوغ المساواة في مستويات التعليم في العالم يتطلب وضع سياسات من قبل الحكومات

لندن- المتأمل في وضع التعليم في دول العالم النامي يلاحظ أنها وفي ظل الانفتاح اكتشفت أن مستوى التعليم فيها ما زال متأخرا بالمقارنة مع الدول الغنية أو المتقدمة وهو ما دفع العديد منها لوضع استراتيجيات واتخاذ سياسات من شأنها النهوض بهذا القطاع ورغم التقدم والتطور الذي بلغته بعض هذه الدول إلا أن المسافة التي تفصلها عن بلوغ أرقى مستويات التعليم العالمية شاسعة.

عندما تتعلق المقارنة بين العالم النامي والمتقدم بالتعليم يتضح أن وجوه الاختلاف بينهما متنوعة وصارخة، ورغم أن عدد التلاميذ المسجلين في المدارس الابتدائية يشهد تقاربا نظرا لارتفاع عدد الذين يلتحقون بالمدارس في البلدان النامية إلا أن الهوة ما زالت شاسعة في ما يخص معدل مستويات التحصيل العلمي من ذلك عدد الأطفال الذين يدرسون والمدة التي يقضونها في المدارس. ومن خلال التدقيق في معدل السنوات المقضاة في المدرسة ومستويات الإنجاز، يتضح أن العالم النامي متخلف بحوالي 100 عام عن الدول المتقدمة.

ويرى الباحثون أنه في حال مواصلة انتهاج المقاربات الحالية في التعليم العالمي، فإن هذه الفجوة سوف تستمر في المستقبل، غير أنها تختلف بين البلدان والمناطق كما أن هناك اختلافات داخل البلدان نفسها.

دراسة هوة تقدر بقرن من الزمن وتحليلها تعد وسيلة مفيدة للفت الانتباه إلى التفاوت الخطير في التعليم على الصعيد العالمي
ولكن هذا لا ينفي وجود اختلافات كبرى على نحو صارخ بين مستويات التعليم في البلدان النامية والمتقدمة وتحدد الأمم المتحدة الدول “المتقدمة” في هذه المقارنة بأنها دول أوروبا وأميركا الشمالية واليابان وأستراليا.

هذه الهوة التي تقدر بـ100 عام، قد لا تكون مقبولة من الناحية الأخلاقية، ولكن من الجانب التاريخي يمكن فهمها. وبحث عدد من فصول سلسلة اقتصاد المعرفة لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في مسألة التعليم من منظور عالمي طرق الحد من الفوارق، حيث انتشرت فكرة تفيد أن جميع الشباب، وليس فقط من ينتمون إلى النخبة، يجب أن تتاح لهم فرصة تلقي التعليم في جميع أنحاء أوروبا وأميركا الشمالية بحلول منتصف القرن التاسع عشر.

وبعد مرور قرن من الزمن، لقيت المسألة مزيدا من الدفع من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، فانتشر التعليم في جميع أنحاء العالم النامي، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك فجوة قرن كامل بين العالمين النامي والمتقدم منذ الانطلاقة. وبدا جليا أنه في غضون الخمسين عاما الأخيرة، كانت وتيرة تسجيل الأطفال في المدارس الابتدائية أسرع بكثير، مما أسفر عن التحاق 90 بالمئة من الأطفال في العالم بالمدارس الابتدائية.

وفي محاولة للبحث في مسألة الالتحاق بالتعليم الابتدائي، تختفي فكرة التقارب العالمي، ذلك أن أغلب الشباب في مختلف أنحاء العالم تقريبا مسجلين في المدارس ويتلقون تعليما جيدا ويتحسن مستواهم. أما مستويات التعليم للقوى العاملة من البالغين، والتي غالبا ما تقاس بمعدل سنوات الدراسة، فتقدر في البلدان المتقدمة بضعف ما هو سائد عند أقرانهم في العالم النامي.

في البلدان المتقدمة، يحصل البالغون على متوسط سنوات دراسة يقدر بـ12عاما، في حين لا تتجاوز المدة التي يقضيها نظراؤهم في البلدان النامية الستة أعوام ونصف

وفي البلدان المتقدمة، يحصل البالغون على متوسط سنوات دراسة يقدر بـ12عاما، في حين لا تتجاوز المدة التي يقضيها نظراؤهم في البلدان النامية الستة أعوام ونصف ومن غير المتوقع أن يتم تجاوز هذه الهوة في وقت قريب، وإذا ما تواصلت هذه الوتيرة من التغيير سوف يستغرق البالغون في البلدان النامية حوالي 65 عاما للحاق بمستوى التعليم المسجل في الدول المتقدمة وقد تمتد هذه المدة لتصل إلى 85 عاما للبالغين الذين يعيشون في البلدان ذات الدخل المنخفض أو الأكثر فقرا.

لا شك أن فجوة المئة عام تتضح أكثر في مستويات التعلم بين الطلبة في البلدان المتقدمة والنامية، فقد انتشرت فكرة التعليم الشامل في أوروبا وشمال أميركا منذ القرن التاسع عشر. ونظرا لمعدل التقدم الحالي، سوف يكون أمام الطلبة في البلدان النامية قرنا من الزمن للحاق بمستوى التعلم الذي يمتلكه الطلبة في البلدان المتقدمة اليوم.

هذا التحليل هو تذكير بالحاجة الملحة لإعادة النظر في كيفية إحراز تقدم في مجال التعليم فدراسة هوة تقدر بقرن من الزمن وتحليلها يعتبر وسيلة مفيدة للفت الانتباه إلى التفاوت الخطير في التعليم على الصعيد العالمي. وهو ما يفضي إلى طرح عديد التساؤلات والإشكاليات من بينها ما الذي يمكن القيام به لتجاوز هذه الهوة؟ وهل يمكن لبعض الخطوات الإستراتيجية تسريع عملية التقدم؟ وهل هناك نماذج مختلفة من شأنها أن تسرع التغيير؟ وهل هناك طريقة تكنولوجية لنظم التعليم تمكن من قفز عديد المراحل، مثل الطريقة التي قفزت بها بعض البلدان النامية في مجال المصرفية حيث مكنها استخدام الهواتف النقالة من تجاوز عقبة بناء شبكة من الفروع المصرفية؟ هل يمكن تصوّر عالم لا تحتاج فيه البلدان النامية 50 عاما أو 100 عام أخرى للحاق بالدول المتقدمة؟

17