قرن من الحديث عن المشروع الإصلاحي في العالم العربي

عبارة "المشروع الإسلامي" لم تكن هي نفس العبارة التي يجري تداولها اليوم في محافل الإسلاميين، بمختلف تلويناتهم، سواء أكانوا إخوانيين أم سلفيين.
الأربعاء 2018/05/09
ما آل إليه المشروع التنويري

من العلامات الفارقة لزمن الإسلام الذي نعيشه اليوم ذلك التحول الجذري الذي حصل في شبكة المفاهيم في المجتمعات الإسلامية بين جيلنا الحاضر والأجيال التي سبقت. لم يحصل ذلك التحول عبر طفرة واحدة أو قفزة في الهواء خلال قرن كامل من الزمن، منذ أن ظهرت بواكير التفكير في المشروع النهضوي العربي – الإسلامي، بل حصل بشكل تدريجي، وربما بشكل لم يتم التفطن إليه إلا في العقد الأخير، عندما لاحت بوادر الانحدار الكلي.

 

المشاريع الإصلاحية في العالمين العربي والإسلامي مضى عليها ما يقارب القرن من الزمن، وكانت في بواكيرها الأولى تستبطن نفسا يريد الانتماء إلى العصر ومواكبة التقدم في العالم آنذاك مع خصوصية تأخذ بعين الاعتبار الموروث الديني والثقافي، لكن هذه المشاريع مسخت اليوم وأبدل أصحابها الدستور بالشريعة وغيرها من المفردات التي لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها المليئة بأفكار العنف والكراهية.

عبارة “المشروع الإسلامي” -المركبة من مفهومين، أحدهما يستبطن فكرة المشروع كآلية للاندماج في الحضارة المعاصرة ومنهج لـ”تحيين” التجربة التاريخية للعرب والمسلمين، والآخر يقود إلى هوية تستمد مقوماتها من الانتماء إلى دين معين- لم تكن هي نفس العبارة التي يجري تداولها اليوم في محافل الإسلاميين، بمختلف تلويناتهم، سواء أكانوا إخوانيين أم سلفيين. لقد بقيت العبارة هي هي، بمثابة الحامل، ولكن محمولها خضع لتحول دراماتيكي كبير في مئة عام. فالواقع أن ما حصل يعد عملية سطو على مفهوم صيغ في ظروف تاريخية محددة وتم حشوه بشبكة جديدة من المفاهيم، التي غيرت اتجاه المشروع من مسار نهضوي يسير نحو التقدم، إلى مسار ارتكاسي يتراجع نحو أبشع مظاهر التخلف.

ولد المشروع الإسلامي في كنف المفكرين الإصلاحيين الأولين كمحصلة للتلاقح الذي وقع بين الثقافة العربية الإسلامية التي كانت بحاجة إلى تجديد، وبين معطيات حديثة كان على العرب أن يبحثوا عن إمكانيات الانخراط فيها. فهؤلاء الإصلاحيون كانوا ينطلقون من ضرورات يبحثون لها عن إمكانيات، ومن ثم تحلوا بالكثير من الواقعية الفكرية والسياسية من أجل بلورة مشروع نهضوي جديد قادر على أن يجعل من الأمة العربية تنخرط في الجدل الدائر آنذاك بين المركز والأطراف. لقد أدركوا بجدية أن الانتقال من وضع قوامه التخلف إلى وضع قائمته التقدم يقتضي صياغة شبكة من المفاهيم الحضارية الكبرى، ومحاولة تنزيلها على مستوى السياسة والاجتماع والتعليم. ومن هنا نفهم كيف راهنوا بشكل كبير على الدولة وعلى تطوير المؤسسات القائمة وتطعيم الفكر الإسلامي.

نهضت شبكة المفاهيم تلك على مبادئ هي النهضة والتقدم والحرية والديمقراطية. حصل تحوير لدى البعض في التسميات، فعوضت النهضة بالتطور والتقدم بالنمو والحرية بالضمير والديمقراطية بالشورى، ولكن الجوهر بقي ثابتا. حتى أولئك الذين فكروا في الشورى بديلا لمصطلح الديمقراطية فعلوا ذلك انطلاقا من إرادة حقيقية في مسايرة العصر، لا انطلاقا من الرجوع إلى الوراء والبقاء ضمن المفهوم التقليدي الذي صيغ في ظروف تاريخية لم تعد مناسبة لعصر جديد.

الدستور إطار للتعاقد الحديث الذي ينظم علاقة المجتمع بالدولة، فلا يسمح للدولة بالتغول ولا للمجتمع بالتوحش

وقد اتفق هؤلاء جميعهم على ضرورة التنظيم الحديث للمجتمع والدولة، ولذلك أجمعوا على أهمية الدستور كإطار للتعاقد الحديث الذي ينظم علاقة المجتمع بالدولة، فلا يسمح للدولة بالتغول ولا للمجتمع بالتوحش.

ولكن هذا المشروع لم يستمر طويلا، وانهارت شبكة المفاهيم السابقة لتحل محلها شبكة مغايرة من المفاهيم. حل مفهوم تطبيق الشريعة محل الدستور، والجهاد محل النهضة، والجماعة محل الديمقراطية التي كانت تعطي للتعددية قيمتها، والطاعة والولاء محل الحرية. وبفعل الحركات الإسلامية أصبح المشروع النهضوي مجرد مشروع إسلامي أيديولوجي يقوم على التمركز السياسي في جماعة أو حزب ذي طابع ديني يطلب من المجتمع الانصياع والاتباع، ويقوم على الولاء والبراء بديلا للمواطنة، وينظر إلى أعضاء الجماعة بوصفهم قطيعا يجب أن يقاد لا مواطنين يجب الإنصات إليهم.

وليس غريبا أن تخرج من شبكة المفاهيم تلك شبكة أخرى أكثر تشددا مع جماعات العنف المعاصرة. فمع هذه الجماعات أصبح الإسلام مختزلا في مفاهيم الجهاد والقتل والغنيمة والفيء والأسر، فحلت الردة محل الحرية، والطائفة المنصورة محل الديمقراطية، والأمير محل الدستور.

إنه انهيار منظومة كاملة في مئة عام، واغتيال لمشروع نهضوي وضعت معالمه الكبرى لتكـون زادا للأجيال المتـلاحقة من أجل تطويره المستمر وإعادة تجديده وفق آلية اجتهادية نابعة من داخله، بحيث بات ما هو مطلوب اليوم بعث ذلك المشروع على أنقاض شبكة المفاهيم الحربية التي تهدد حياتنا.

13