قرون من تمرد لندن على الجوار

بريطانيا الممزقة تاريخيا بين أوروبا وبين تعطشها لاستكشاف الآفاق البعيدة تفتح فصلا جديدا في العلاقة المضطربة بخروجها من الاتحاد الأوروبي.
الاثنين 2020/01/27
علاقة اكتنفها الغموض

بروكسل - قبيل الخروج النهائي لبريطانيا الجمعة القادم عن الاتحاد الأوروبي، يعيد المؤرخون تسليط الضوء على طبيعة العلاقات بين الطرفين منذ قرون.

ويجمع المهتمون بهذا الملف على أن العلاقة بين المملكة المتحدة ومحيطها الأوروبي كانت متسمة منذ قرون بعدم الاستقرار التام، بل كان يلفّها الكثير من الغموض في الكثير من الملفات والمجالات.

ويستند هؤلاء على ما ذهب إليه ونستون تشرشل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حين أعرب عن تأييده إنشاء “ولايات متحدة أوروبية”، لكنه قال أيضا إن بلاده ستفضّل للأبد “أعالي البحار” عن أوروبا.

وفي 31 يناير، تفتح بريطانيا الممزقة تاريخيا بين أوروبا وبين تعطشها لاستكشاف الآفاق البعيدة، فصلا جديدا ضمن هذه العلاقة المضطربة بخروجها من الاتحاد الأوروبي.

تاريخيّا، لم تكن بريطانيا جزيرة دوما، بل كانت حتى الألفية السابعة بعد الميلاد متصلة بالقارة الأوروبية بأراضٍ عرفت باسم “دوغرلاند”. وكان تاريخ بريطانيا مرتبطا بالتاريخ الأوروبي منذ العصور الكلتية. استعمر الرومان الجزيرة في عام 43 م حتى القرن الخامس الميلادي، تاركين خلفهم سور هادريان الذي ما زال قائماً حتى اليوم. وغزت القبائل الجرمانية من بعدهم الجزيرة. وبدأت بعد ذلك غزوات الأسكندينافيين ثم احتل النورمان عام 1066 م بريطانيا، وأدخلوا إليها الثقافة واللغة الفرنسيتين.

وشكل الانشقاق عن بابا الفاتيكان في عهد الملك هنري الثامن الذي أعلن نفسه قائدا للكنيسة الإنجليزية، محطة انفصال حاسمة عن أوروبا.

في القرن السادس عشر، وبعد سقوط مدينة كاليه عام 1558 بيد الإسبان ثم فشل أسطول أرمادا إينفينسيبلي الإسباني بغزو إنجلترا، حوّلت الملكة إليزابيث الأولى بلادها “180 درجةً بعيداً عن أوروبا ونحو البحار حيث ستثبت تفوّقها”، كما يوضح فرانسوا-شارل موغيل كاتب “تاريخ المملكة المتحدة”.

تاريخيّا، لم تكن بريطانيا جزيرة دوما، بل كانت حتى الألفية السابعة بعد الميلاد متصلة بالقارة الأوروبية بأراضٍ عرفت باسم "دوغرلاند"

وفي معركة واترلو عام 1815، هزم الإنجليز والبروسيون نابليون الذي أراد تدمير اقتصاد المملكة عبر محاصرتها. سيمرّ قرن بعد ذلك حتى يعود الجيش البريطاني إلى القارة.

وفي مطلع القرن العشرين، باتت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على ربع الكوكب من كندا إلى أستراليا، مروراً بالهند، وفقدت هذه المملكة التي حققت وحدتها أخيرا اهتمامها بأوروبا.

دخلت المملكة المتحدة الحرب العالمية الأولى بعد انتهاك حيادية بلجيكا التي كانت ملتزمة بالدفاع عنها. وفي عام 1939، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا بعد

غزوها بولندا. وشدد تشرشل حينها على أن هذه الحرب هي “لإنقاذ العالم من طاعون الطغيان النازي”، وباسم

“القيم المقدسة للإنسانية” التي تريد لندن الدفاع عنها حتى خارج أوروبا.

كان البريطانيون على قناعة بأن قيمهم الخاصة لم تلطخ بالحرب ولم يكونوا على استعداد لأن يعرّفوا عن أنفسهم باسم قارة مذلولة وتدفع “ثمن حماقاتها الاستبدادية وهفواتها”، بحسب موغيل. وشعر البريطانيون منذ قرون كذلك بأن عزلتهم كجزيرة خلف البحار تحميهم. وبقي هذا الشعور مطبوعا في الروح البريطانية رغم تطور الأسلحة في العصور اللاحقة وبناء نفق المانش عام 1994.

ويوضح المؤرخ موريس فاييس أن البريطانيين في أعوام الستينات والسبعينات من القرن الماضي “بدؤوا بالتقرب بشكل معتدل ومتردد من أوروبا في مرحلة كان يمر فيها اقتصادهم بوقت عصيب فيما كانت القارة تعيش ازدهاراً”. لكن الجنرال شارل ديغول وضع مرتين، في عامي 1963 و1967، فيتو على انضمام المملكة المتحدة إلى التكتل الأوروبي، خشية منه على الزراعة الفرنسية، وتخوّفا من أن تكون بريطانيا بمثابة حصان طروادة الذي سيفتح المجال أمام دخول الولايات المتحدة إلى القارة. ولم تدخل بريطانيا السوق الأوروبية المشتركة إلا عام 1973 بعد وصول جورج بومبيدو للرئاسة الفرنسية.

تأسست أوروبا على مبدأ السلام، ورأى البريطانيون فيها عاملا محفزا لاقتصادهم في ظلّ التقدّم المذهل لفرنسا وألمانيا. ويوضح موغيل “بالنسبة لمارغريت تاتشر، كانت السوق المشتركة هي الأهم. فصّلوا انطلاقا من الإنجازات الأوروبية أوروبا على مقاسهم”.

ودفعت لندن باتجاه توسيع منطقة التبادل التجاري الحر إلى أبعد ما يمكن. لكن في ما يتعلق بتعميق الوحدة بين دول الاتحاد، اعتبرت لندن أن في ذلك تقويضا لسيادتها المقدسة، أو محاولة لوضع ثقلها السياسي والعسكري بمواجهة قوى دولية أخرى، ما يضرّ بعلاقتها مع الولايات المتحدة.

وبعدما رفضت الانضمام إلى النظام النقدي الأوروبي عام 1979، امتنعت كذلك عن توقيع اتفاق منطقة شنغن حول حرية الحركة في عام 1985 وتحويل عملتها إلى عملة اليورو المشتركة عام 1993.

وفي عام 1984 فازت مارغريت تاتشر في معركة تخفيض إسهامات المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي التي خاضتها تحت عنوان “أعيدوا لنا أموالنا”.

7