قرى عسير التراثية ثروة أثرية يمتد تاريخها إلى ما قبل الإسلام

الاثنين 2014/06/23
المواقع الأثرية في منطقة عسير تستحق التثمين نظرا لقيمتها التاريخية

أبها- فوق قمم جبال السروات في منطقة عسير، برزت العديد من القرى التراثية الضاربة بجذورها في عمق التاريخ بما اشتملت عليه من موروثات فنية وثقافية وشعبية حملت مضامينها دلالات حضارة إنسان هذه المنطقة على مر العصور، لتصبح اليوم من العلامات البارزة في منظومة السياحة الثقافية للمملكة العربية السعودية، حيث استقطبت الزوار والمهتمين بدراسات التراث العمراني والآثار من داخل المملكة وخارجها.

نظرا لثراء منطقة عسير بالمعالم الأثرية التي تجتذب الزوار أطلقت مبادرة محلية تحت شعار “عسير.. وجهة سياحية رئيسة على مدار العام”، وأوضح أستاذ علم التاريخ في جامعة الملك خالد الدكتور غيثان الجريس، أن منطقة عسير تضم مئات القرى التي تميزت بتاريخها العمراني الممتد إلى عصور قديمة عاشها ابن المنطقة وسط طبيعة جبالها وسهولها ووديانها، وشكلت على مر التاريخ ثروة أثرية توارثتها الأجيال حتى وقتنا الحاضر، بارزة بحجارتها ونقوشها ورسوماتها الصخرية التي يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام.

وقد وجد الباحثون أن ابن منطقة عسير كان بارا بتراثه مراعيا لبيئته الطبيعية المتميزة بتنوعها الجغرافي، إذ بيّن الدكتور الجريس أن تاريخ وأشكال البناء في منطقة عسير، دل على اهتمام الإنسان بدقة التصميم والعمارة ومراعاة البيئة الطبيعية الوعرة للمكان، فبرزت تصاميم متنوعة في المباني تمثلت في اختيار الواجهات والأبواب والنوافذ والمداخل الرئيسة لكل مبنى، مما أكسبها طابعا عمرانيا فريدا من نوعه.

تاريخ وأشكال البناء في منطقة عسير، دل على اهتمام الإنسان بدقة التصميم والعمارة ومراعاة البيئة الطبيعية الوعرة للمكان

وأفاد في ذلك الصدد أن العديد من المدن والقرى التراثية في مختلف دول العالم تحولت إلى معالم حضارية بعد أن لقيت الاهتمام والعناية اللازمين وأجريت لها الترميمات المناسبة التي لا تغير ملامحها الحقيقية، مع وضع التعريفات والمدلولات اللازمة لها على الطرق المؤدية إليها، والتعريف بها عن طريق وسائل الإعلام، وأشار إلى أن مئات القرى في منطقة عسير، ينتظرها مستقبل واعد من خلال الدراسات البحثية التي تجريها العديد من الجهات المعنية بتطوير السياحة في المملكة لتحويلها إلى معالم حضارية عريقة ومتميزة تزيد المكان رونقا وجمالا يضاف إلى جمال موروث المنطقة الحضاري وتاريخها القديم.

وبدوره، أكد أستاذ السياحة والآثار المساعد بجامعة الملك خالد الدكتور علي عبدالله مرزوق، أن قرى عسير تمتاز بمكوناتها الجغرافية والمناخية، حيث المدرجات الزراعية، والهضاب، والتضاريس المتنوعة، علاوة على تنوع طراز مبانيها التقليدية، وما يرتبط بها من سمات فنية متميزة.

وأكد أن هذه القرى بحاجة ماسة إلى إجراء العديد من المسوحات والدراسات المتخصصة، ومن ثم تحديد ما تحتاجه من أشغال ترميم، وإعادة تأهيل، واستثمار اقتصادي، مع ضرورة المحافظة على مقوماتها البيئية والعمرانية لتتحول إلى مواقع جذب سياحي يفد إليها السياح من كل مكان، مما يعود بالنفع والفائدة على سكان هذه القرى ويمكنهم من تسويق منتجاتهم الحرفية والزراعية والمأكولات الشعبية وفي التعريف بإرثهم الثقافي.

وللحفاظ على هذه الثروة التاريخية، طالب الدكتور علي مرزوق بتفعيل دور الكراسي البحثية في الجامعات المعنية بالتراث بشكل عام وبالقرى التراثية بشكل خاص، وتشجيع الباحثين والمهتمين على إجراء البحوث والدراسات التي تهتم بالقرى التراثية عن طريق دعمهم ماديا ومعنويا، من خلال حصر وتحديد القرى التراثية بالمنطقة، وعمل الإحداثيات والخرائط للتعريف بها وتثقيف الأهالي بالطرق المثلى للمحافظة على هذه القرى وعلى نسيجها وطابعها العمراني المتميز.

آثار منطقة عسير تروي إرثا ثقافيا يعود للقدم

كما طالب بدعم بحوث صيانة وترميم المباني التقليدية ذات القيمة التراثية والتاريخية داخل القرى التراثية لإحياء ما اندثر منها، والإبقاء على المباني التقليدية المتجمعة لتبقى معلما تراثيا مفتوحا يأتيها المهتمون بالتراث، ناهيك عن عقد الدورات والورش العلمية لأصحاب القرى التراثية بهدف إيضاح أهميتها السياحية والاقتصادية، وحث رجال الأعمال والمستثمرين على دعم هذه القرى والاستفادة منها اقتصادياً والإفادة ممن سبقونا في هذا المجال.

أما الأديب على مغاوي فقد قال: إن قرى عسير مميزة بإطلالتها وطابعها الحضاري والتراثي، لافتاً إلى أن عددا من هذه القرى يمكن استثمارها سياحيا والترويج لمواقعها المطلة من على جبال السروات، وتفعيل مشاركة الحرفيين والحرفيات في هذه القرى، مع العمل على تنمية البنية التحتية والمواصلات وإيصال الخدمات لها، وعمل مسح شامل لكافة القرى التراثية التي تحمل الموروث الشعبي وتحويلها لمتاحف وترميمها والاستفادة من التجارب العالمية والعربية في هذا المجال.

واستشهد مغاوي في هذا السياق، بقرية رجال المع، مبينا أن هناك مستقبلا واعدا ينتظر القرية بعد أن اهتمت الهيئة العامة للسياحة والآثار بها، وأسهمت البلدية في توسعة مداخلها، مؤكداً بأن تجربة رجال المع رائدة في مجال دعم الموروث الشعبي من خلال مساهمة أبناء المحافظة من مهندسين ومبدعين وموهوبين بخبراتهم المتعددة في الاستثمار السياحي في القرية”.

من جانبه، أوضح مدير فرع الهيئة العامة للسياحة بعسير محمد العمرة، أن الفرع يقوم بعمل مسح ميداني للتعرف على المواقع والقرى ذات الإطلالة المميزة والمواقع التي تحمل قيمة تراثية وحضارية في منطقة عسير، للتعريف بها وللتفاعل مع الجهات المختصة لوضع استراتيجيات لتطويرها وترميمها والمحافظة عليها وحمايتها من العبث.

وقال العمرة: إن فرع الهيئة العامة للسياحة بمنطقة عسير ينفذ توجيهات الهيئة في دعم القرى الأثرية للحفاظ على ثقافة وموروث المكان والعمل على تعزيز المسح الميداني للتعرف على هذه المواقع ووضع تصور مستقبلي لآلية الاستفادة منها في تطوير سياحة القرى وتسخير كافة المقومات المؤدية إلى الاستفادة من التجارب العالمية والمحلية في هذا المجال.

وأبان أنه يجري الآن عمل خطة حصر لجميع القرى التراثية بالتعاون مع أمانة منطقة عسير، كما أن الهيئة تهتم بأية مبادرة من الأهالي تطلب الاهتمام بالتراث الموجود في القرى التراثية.

12