قريبا في السعودية.. الفلسفة والقانون في الثانويات والجامعات

مثقفون سعوديون يشددون على ألّا تكون هذه الخطوة كنوع من تصفية حسابات سابقة مع التوجه الديني، مؤكدين أنها محاولة جيدة لتوليد جيل يعمل عقله الفاعل في العديد من القضايا والجدليات.
الأحد 2018/12/16
نماذج من الكتب التي دخلت مؤخراً على المناهج التعليمية في السعودية

ضمن المتغيرات السريعة التي تعيشها السعودية على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي كشف وزير التعليم أحمد العيسى، خلال مشاركته في الجلسة الرئيسية من المؤتمر الدولي لتقويم التعليم المنعقد مؤخرا، عن تطوير جديد قريب لمناهج المرحلة الثانوية، وكشف عن أن الوزارة تمتلك مقررا جديدا للتفكير الفلسفي الناقد، بالإضافة إلى مقرر لمبادئ القانون. هذا التطوير للمناهج كان مطلبا جوهريا للأكاديميين والكتاب والمثقفين السعوديين منذ وقت مبكر، غير أن تيار “الصحوة” كان السدّ المنيع الذي حال دون تحقيقه خلال العقود الأربعة الماضية. ممّا عزز غياب الحالة النقدية لدى الطلاب السعوديين الذين لقّنوا -لعقود متلاحقة- بأن المنطق زندقة، وأن الفلسفة باب للشر.

الآن، ومع قرب إدراج مادة الفلسفة والقانون للمناهج المدرسية للمرحلة الثانوية، كيف يقرأ المثقفون السعوديون هذه الخطوة، وما هي تطلعاتهم، وهل سيغير -على الأمد الطويل- واقع التعليم لينقله من الحالة التلقينية إلى الحالة الإبداعية؟ صحيفة “العرب” توقفت في استطلاع مع مجموعة من المثقفين السعوديين المهتمين بهذا الملف.

نخاع شوكي

سليمان الشمري: أهمية شرعنة الفلسفة
سليمان الشمري: أهمية شرعنة الفلسفة

يشير أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود الروائي سليمان الشمري إلى أن بعض الدول عملت على الاهتمام بحقل الفلسفة من خلال جامعاتها ومراكز بحوثها، وأن دولا أخرى أهملته تماما، حيث تمّ تجاهل أو تغييب شبه كامل لحقل الفلسفة بالمملكة في الفضاء التعليمي، ويرجع الشمري السبب إلى اعتقاد بعض علماء الدين بأن الفلسفة هي بداية الإلحاد، فالمقررات الدراسية تخلو من وجود أي معلومة تبرز أو تنادي بأهمية الفلسفة في حياة الفرد.

يقول الشمري متحدثا لـ”العرب” موضحا “إن الحاجة الماسة إلى الفلسفة في هذا الوقت تحمل في طياتها أطروحات متعددة غير ما كانت عليه قبل عقود سابقة من حيث تغيّر مناخات المفاهيم المطروحة داخل عقل الفلسفة، فهناك مفاهيم أسقطها الزمن وبزغت مفاهيم أخرى مع التطور المعرفي، لا يمكن اختزال الفلسفة في جزئية البحث عن الحقيقة التي تبعد الإنسان عن التمتع ببعض من إبداعات وجمال الحياة، فقد صدم الغرب في جزئية الحقيقة وأوكل البعض منهم إلى هتان العلم، الذي ينزل شيئا فشيئا من خلال الزمن المفتوح، حيث يحتل العقل مساحة كبيرة، والفلسفة يجب أن تكون علمية، وأن استخدام الأسلوب العقلاني في معالجة أمور الحياة وذلك من أجل السيطرة على الغضب وسرعة الانفعال، ويكون الفرد أكثر مرونة في تعاطيه مع التفاصيل، لأن المطالبة بنشدان الكمال شيء مثالي يستحيل تحقيقه وتطبيقه على أرض الواقع".

ويتابع الشمري في الشأن نفسه "إن المحاولات القليلة لبعض المثقفين والكتاب في الوسائل الإعلامية كانت قديمة جدا، لكنها لم تحظ بالإبراز والمطالبة العلنية بأهمية وجود أقسام في الجامعات السعودية لدراسة الفلسفة، لكن هذه الخطوة تشرعن أهمية الفلسفة والقانون في المناهج الثانوية، غير أن ما يجب التنبيه له ألّا تكون هذه الخطوة كنوع من تصفية حسابات سابقة مع التوجه الديني، بل العمل على زيادة هامش حرية التعبير في جميع المجالات، فالحرية تعتبر النخاع الشوكي لثقافة أي مجتمع، فبغيابها تزهق روح النقد والإبداع والتعبير والتعليم، فقد فرح في السابق بعض الكتاب بوجود “الحلقة الفلسفية” التي تعقد في النادي الأدبي بالرياض، والآن سيفرحون وغيرهم بوجود هذه المواد الدراسية، لكن مربط الفرس هذه المرة هو إدراك حقيقة أهمية حرية التعبير التي ينمو بها جنين الفلسفة حيث إنها تجاوزت البحث عن الحقيقة والدخول في عالم الجمال والمنطق والانتصار للخير والبعد عن عالم العبث الذي ظهرت بوادره".

فرصة للتفكير

رحاب أبو زيد: لابد من استدراك ما فات
رحاب أبو زيد: لابد من استدراك ما فات

تبدأ الروائية مها الجهني مداخلتها بسؤال جوهري يقول “هل يوجد فعلا مستقبل لتعليم الفلسفة في بلادنا؟”. وللإجابة عن هذا السؤال توضح “المدرسة هي فضاء إنساني لتلاقي الخبرات والتجارب الإنسانية، وقد ارتبط التكوين والتعلم بالمصالح المشتركة بين الناس وتوجيه فكرة الحقيقة التي تدفع الناس إلى البحث عن قيم مثلى. وقيم مثل الحرية والإبداع والعدالة لا يمكن أن تتعلم بطريق الترويض والإكراه أو السيطرة، إنما تحتاج إلى أن يتعلّم الإنسان طرقا جديدة للتفكير تجمع اللغة والأدب مع العلم والتاريخ. تعلمنا الفلسفة أنّ العدالة لا تقوم من دون وجود عقاب وظلم واستبداد. وأن الحرية مطلب وإرادة كما أنّ الديمقراطية هي ممارسة مدنية وتكتل وصراع وإقصاء. أليست هذه روح القانون؟”.

وتتابع “الحضارة الإنسانية تشهد انهيارا للمعنى وتراجعا لتمدن الإنسانية وتقدّمها حتى بات من المستحيل العيش داخل انحرافات الثقافة العلمية والتقنية. فلكي نحيا كبشر كما أكّد على ذلك نيتشه في نهاية القرن التاسع عشر لا بدّ من حضور الفن في كل لحظة. والفن يقترب من الفلسفة في غاياته ومقاصده التي ترتبط بالتجربة البشرية في أصولها الأولية، وإن اختلف في نهاياته مع الفلسفة كما أكّد أرسطو”.

وتختتم مداخلتها بالقول “إنّ الفلسفة لا تغير بالضرورة أراء المتعلمين بل هي تتيح فرصة للتفكير في الآراء ومعنى الحياة في ينابيعها الأصلية. وهي حاجة ملحة للتعليم في الوقت الراهن، وخطوة نوعية يحتاجها الجيل لمواجهة التحديات في التفكير لدراسة العالم من حوله ولمجاراة التغيير الكوني من حولنا وخلق إنسان حرّ قادر على التحليل والمواجهة والابتكار. وآمل أن ينجح البرنامج في مدارسنا ليتطور ويطوّر آلية التفكير المتنوع لدى الطلاب في مناخ حرّ وألّا يبقى ضمن مسار التلقين والحفظ”.

ليس بكبسة زر

يرى الكاتب والإعلامي علي سعيد في إدراج “الفلسفة” ضمن مناهج التعليم السعودية؛ حدثا يستحق الاحتفاء “ليس لأنه مطلب الخطاب الثقافي في البلاد فقط، بل لأنه ملمح واضح من ملامح تطوير التعليم، وتحويله إلى تعليم حديث و”متين”، مؤكدا على أن هذا الحدث يستحق القراءة والتساؤل من جوانب عدة، أهمها أن الخطوة جاءت ضمن مناخ التحولات الثقافية والاجتماعية الكبرى التي تشهدها البلاد مع رؤية 2030 والتي تسير نحو الانفتاح والعصرنة.

علي سعيد: حدث يستحق الاهتمام
علي سعيد: حدث يستحق الاهتمام

ويؤكد سعيد على ضرورة خلق بيئة حاضنة للدرس الفلسفي داخل المؤسسة التعليمية. موضحا ذلك بالقول “‏تعليم الفلسفة يستدعي إطلاق حرية الفكر ودعم الحوار العقلاني المفتوح بين المعلم والطلبة من أجل الوصول إلى الهدف الأسمى للفلسفة وهو توليد الأفكار الخلاقة وولادة فيلسوف جديد”.

وتعليقا على ابتهاج البعض بدخول أسماء الفلاسفة إلى الكتاب المدرسي السعودي، قال سعيد "ابتهاج مستحق، ولكن علينا أن نذكر بأن تعليم الفلسفة في المدرسة لا يعني “قص ولصق” أسماء الفلاسفة من سقراط إلى ابن رشد، أو استعراض تاريخ تطور الأفكار والمذاهب الفلسفية وحسب، بل الإبحار بعقل وخيال الطالب إلى آفاق ذهنية وفكرية أوسع تؤسس لإنتاج أجيال وطنية قادرة على الإبداع والتفكير بعمق وحرية".

وحول الكيفية التي سيكون عليها حضور الدرس الفلسفي في البيئة التعليمية الحالية، قال سعيد “سيكون حضورا غريبا، وهذا متوقع، بعد عقود من تسييج التعليم بخطاب مضاد للخطاب الفلسفي، غير أننا سنتفهم المسألة إذا أدركنا أن أيّ تغيير ثقافي هو تغيير طويل المدى بالضرورة وليس بكبسة زرّ”.

استدراك

من جانبها تؤكد الروائية رحاب أبوزيد على أهمية استدراك ما فات خلال العقود الماضية، وتقول “كنّيت الفلسفة بأنها أم العلوم، لأنها تتقاطع مع كل فروع العلوم الطبيعية وكذلك الفكر والفنون، وأؤمن بأن علم الحكمة لا يستقل عن استعمال العقل وإيلاجه في دائرة ذات حلقات تطرح الأسئلة وتتبع الشك والمنطق قبل أن يعلن وصوله لليقين، ومن ثم المسلّمات، لا بدّ للفرد من القيام بالدورة كاملة حتى يمتلك مفتاح الإبداع، وبعضنا ممن يملكون الشجاعة يبدأ ويتوقف أو يصاب باليأس أو ربما بالانهزام، والبعض يواصل خوض المجابهات الفكرية مع أسرار وجوده ومنعطفات بلغها المفكرون قبله، وفي ظني إن الفلسفة غابت لعقود عن نظامنا التعليمي لأسباب لا تخفى على أحد واستدراك أهميتها الآن خطوة إيجابية جوهرية جدا في صنع شخصيات مستقلة فكريا تتصدّى لأي حشد أيديولوجي أو حشو فارغ”.

وتضيف “أقترح فقط أن تمد نظريات الفلسفة أذرعتها إلى كافة المواد والعلوم الدراسية الأخرى، إذ لا يمكن عزل الفلسفة عن بقية المنهاج التعليمي، تماما مثلما لا يمكن إقحامها في مراحل متأخرة من الدراسة يكون فيها الطالب قد اقترب من تشكيل فكره وتأسس على استعمال مساحة محدودة من إمكانياته العقلية، فمن الأفضل أن يتمّ إدراجها في سن مبكرة يكون فيها عقل الطفل غضا في استيعابه، حادا في ذكائه، يغربل ما يقع عليه بعيدا عن أسلوب الحفظ والتلقين؛ الوسيلة البائسة للصحوة في تجذير سطوتها”.

حسن مشهور: محاولة جيدة لتوليد جيل جديد
حسن مشهور: محاولة جيدة لتوليد جيل جديد

ثيولوجيا راديكالية

من جهته يرى الكاتب السعودي حسن مشهور أن "وصاية الثيولوجيا الراديكالية كانت لعقود حاضرة في المشهد الاجتماعي السعودي، الأمر الذي فرّخ لاحقا جيلا من التكفيريين الذين سعوا لترجمة أيديولوجيتهم الصحوية لفعل إجرائي تمثل في حادثة 11 سبتمبر، وما تلا ذلك من عمليات دموية مارسها أنصار الإرهاب الديني الأعمى وطالت بشرورها الداخل السعودي خلال الفترة الممتدة من 2003 إلى 2007، حتى تمكن الأمن السعودي من حسمها لصالحه بعد حرب ضروس مع هؤلاء الإرهابيين المارقين. وعند البحث عن الأسباب الباعثة للحالة التكفيرية في الداخل السعودي؛ فقد وُجِدَ بأن بنية العقل السعودي المختطفة من الراديكالية الأصولية والقائمة على تخريج جيل ممن وصفهم الفيلسوف العربي الكبير زكي نجيب محمود بـ”الحفظة المتعالمين”، هي المسؤولة عن ذلك".

ويخلص مشهور إلى أن “قرار وزارة التعليم السعودي يمثل محاولة جيدة لتوليد جيل ممن سَيُعْمِل عقله الفاعل في العديد من القضايا والجدليات، ويمارس كذلك أنواع التفكير المختلفة، كالتفكير الناقد والتفكير الإبداعي، ويتقبل في أريحية الرأي والرأي الآخر، وقبل ذلك لا يُسلّم عقله للغير”.

12