قريبا من الخوف بعيدا عن القلق

الأربعاء 2015/05/06

كنت أسمع عنهم، أولئك البعيدين القلقين.. وكنت أحمد الله ألف مرة أنني أقف على خط المواجهة اليومية مع الموت والفناء وهم لا يملكون سوى قلقهم!.. هم آمنون وأنا أواجه الخطر الذي يرسمه الدم على كل لحظة من لحظات حياتي.. بينما هم ينعمون بحياة هادئة آمنة.. لكنها معفرة بوجع القلق الموقوت مثل قنبلة ستنفجر في قلوبهم في كل لحظة.. ولذا فقد كنت مصرة دائما على البقاء قيد قنابلي الأرضية.. خشية على قلبي من قنابل قلقي على أحبتي وأنا بعيدة.. كنت في الداخل.. والقلقون في الخارج.. ولذا فقد كنت أقوى وأشجع وأكثر بسالة ومعرفة ومرحا منهم جميعا!..

لا تنعتوني بالخبل.. فهذه هي الحقيقة رغم قسوتها وسخريتها وتضادها الأثيم!.. ولكنني اليوم صرت منهم -أولئك البعيدين- بعد فواجع ظلت تتهافت فوق أرضي.. وصارت خشيتي من القلق لا تقارن بخشيتي على أطفالي وهم ذاهبون إلى مدارسهم وعائدون منها.. وصار الابتعاد عنهم بسويعات من الترقب لا يشبه الابتعاد بهم عن الموت سنوات.. صرت أخاف أسئلتهم التي قد تحاصرني ذات يوم حين يكبرون وارثين عاهاتي من الرعب والصدمات: “لماذا لم تنأي بنا عن الخراب؟”.. فغد منعطفي الأهم صوب سفري إلى قارة القلق على بلدي وأنا بعيدة.. فيا لها من لوعة ومرارة.

لن أضيف أدبا ولا فنا ولا وصفا حين أكرّر للمرة الألف أنني سكنت بعيدا عن بلدي وقد سكن روحي مدى الحياة.. وجل فعلي هو أن أنأى بأطفالي صوب ما توقعته أكثر أمنا.. وأنا أعلم تماما بأن الخراب في داخلي أنى حللت.. (وليس تعكزا على مقولة كافافي!)..

فهناك، في الداخل، كنا نتدفأ ببعضنا من خوف ونحن نواجه الخراب ونصنع الحياة إصرارا وتحديا.. كنا نقارع الفناء بعمق وجودنا وبهجتنا بالبقاء على قيد الحلم.. لكننا هنا.. ونحن بعيدون.. إنما تقتات على فـتات الحلم والذكريات.. ويعصف بنا برد القلق القارس دون أي عباءة من دفء تلف غربتنا وتقينا الخواء والوحشة.. نحن هنا وحيدون متعبون ضائعون مهانون.. نحاول أن نتماسك بالتشبث ببقايانا أو بمن نلتقيهم صدفة فنحسّ من بين طيات نبراتهم شيئا يشي بحميمية ذلك الهاجس: الوطن البعيد!..

قلوبنا أصبحت مقابر جماعية تزيد كل يوم رقما أو حلما أو حبيبا رحل عنوة أو بمفخخة أو رصاصة غدر أو شظية عابرة.. ولا نملك أن نتملّص لو لبرهة فنلقي بأفكارنا بعيدا عن ذلك المكان.. لم تبعدنا الجغرافيا عن التاريخ!.. ولم يبعدنا العلم والتحضّر عن التشبث بالخرافة!.. ملتصقون مثل توائم سيامية بفكرة العودة.. ولا نملك أن نفصل عن أديمنا أنبوبة مغذي الأمل التي توخز ضمائرنا وتنز دما كلما اهتزت الأنباء بخبر جديد وفواجع جديدة لا أدري لماذا تبقى تفاجئنا وكأننا نصرّ على أن الدنيا ما زالت بخير!..

لم نتعلم الجلد ولم نلبس جلود التماسيح ولا استعرنا من بعيد أو قريب دموعها.. صبّار دواخلنا صار أكثر رهافة.. فكلما انهار جدار جديد بكينا على مجموع الخسائر من جديد مرة واحدة..

ونبقى مسكونين بثنائية الوطن والمنفى.. لتبقى في النهاية ثمة حقيقة واحدة تشهر سطوعها في خضم هذا العبث الدامي:.. سواء بقينا أم غادرنا.. فإننا في الحالتين خاسرون!..

21