قريبا يفتح الستار مع مارك زوكيربرغ

المجتمعات العربية ليست في حاجة إلى من أن يحرضها على الانزلاق نحو تفجير كل ما فيها من نزوات وشهوات، فهي تحمل في طياتها بوادر هذا الانفلات.
الثلاثاء 2018/10/09
الجرائم عديدة والمتهم فيسبوك

قريبا “مع مارك زوكيربرغ”.. هكذا أتوقع أن يصبح اسم البرامج الاجتماعية على اختلاف تسمياتها والتي تعرض الآن على قنواتنا العربية وتتفنن في نشر غسيل العوائل.

ما كان سائدا قبل عصر مارك زوكيربرغ هو فض مقدم البرنامج لنزاع عائلي بدأت أطواره بمكالمة هاتفية خاطئة أو هكذا حاول صاحبها إيهام الطرف المقابل على الخط، إذ أن بعض الشباب ذكورا أو إناثا كانوا يحاولون من خلال تركيب أرقام كيفما اتفق تكوين علاقات قد تتطور إن حالفهم الحظ.

لكن اليوم صار مقدم البرنامج يعمل على تقصي حقائق ونوايا كل طرف من خلال حسابه الخاص على موقع فيسبوك، ليخرج بتقييم شبه صحيح للوضع بين الزوجين أو الصديقين.

في الحقيقة مسألة تطور طرق التعارف والخطبة ليست بالأمر الجديد، فالخاطب الآلي دخل شبكة العلاقات منذ انطلقت أعداد الصفحات الفيسبوكية في التكاثر والانتشار، وككل وسيط في الجمع بين طرفين في الحلال فإن القصة تنطلق بـ”يا بخت من وفق رأسين في الحلال”، وتختم بلعن وقذف وشتم من كان وسيطا وسببا في نشوء هذه العلاقة، لذلك لا بد من إيجاد منفذ لفيسبوك حتى يبرأ ذمته من فشل العلاقات الزوجية.

ومن أقدر من مارك على ذلك؟ ولكن ماذا سيعالج حتى يعالج؟ هل يهتم بحماية حسابات المواطنين الكرام من نفاذ الهاكرز عبر ثغرات صفحاتهم الأمنية أم يحميهم من ذئاب المجتمع؟

“سقط القناع عن القناع.. عن القناع سقط القناع″.. للأسف يا درويشي (من قصيدة لمحمود درويش وغنتها الأيقونة اللبنانية ماجدة الرومي)، وإن سقط ألف قناع فالقناع لن يسقط عن القناع، لأن قلة حيلة الشبان اليوم -ولست أبرر تفننهم في الكذب والنفاق والرياء- مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في جل الأقطار العربية تدفعهم مستتيرين بمنصة العم زوكيربرغ إلى المزيد من الأكاذيب على الجنس اللطيف للفوز بعش الزوجية.

صار مقدم البرنامج يعمل على تقصي حقائق ونوايا كل طرف من خلال حسابه الخاص على موقع فيسبوك، ليخرج بتقييم شبه صحيح للوضع بين الزوجين أو الصديقين

لفت انتباهي إلى هذا النوع من القضايا الاجتماعية المستجدة بث أحد البرامج الاجتماعية التونسية على كثرتها، محاولة أحد الأزواج، وقد نعته أغلب رواد فيسبوك بعد أن نقلوا البث التلفزي إلى متابعة مباشرة عبر الواقع الافتراضي بـ”الغبي”، استعادة زوجته وابنه.

والقصة بكل أطوارها تعكس واقعا محزنا فالزوجة كانت تدرس بإحدى الدول الأوروبية وتعرفت على زوجها عبر الفيسبوك لتنقلب حياتها رأسا على عقب بعد أن أقنعها بأنه جاهز للزواج بأتم معنى الكلمة أي أنه يمتلك كل المؤهلات التي ستوفر لها حياة زوجية مريحة، فتركت كل شيء وهرعت إليه لتجد واقعا صادما مختلفا زاد من غربتها بعد الزواج والإنجاب، لتكتشف أن أحلامها بنتها على كذبة.

هذا فيض من غيض فقد وجد مقدم برنامج نفسه موزعا بين تراشق بالاتهامات بين زوجين والمذنب فيسبوك. كذلك قتل مسن زوجته بسبب غيرتها عليه ظنا منها أنه يواعد شابات عبر فيسبوك، وكان أيضا فيسبوك سببا منذ فترة قصيرة في إصابة زوجة لزوجها على مستوى عضوه الذكري بسبب ثبوت خيانته لها وإهدائه لعشيقته عبر فيسبوك لقطعة أرض على ملكه الخاص.

أين أنت يا مارك فالجرائم عديدة والمتهم واحد منصتك الافتراضية؟ في الواقع لا يمكن لوم زوكيربرغ على إبداعه فهو فقط أوجد الفضاء المناسب ليكشف هشاشة العلاقات وقصور أصول التربية السليمة على تكوين خلية عائلية مستقيمة قادرة على تحمل المسؤوليات المستقبلية والانفصال بخلية فردية.

يبدو أن المجتمعات العربية ليست في حاجة إلى من أن يحرضها على الانزلاق نحو تفجير كل ما فيها من نزوات وشهوات، فهي تحمل في طياتها بوادر هذا الانفلات، وتملك مفاتيح تفكيك هذا الكبت.

طالعني خبر مفاده أن روسيا تختبر حدود حرية التعبير عند مواطنيها من خلال عرض عدة أعمال سينمائية وتلفزيونية، في الوقت الذي تتنافس فيه بعض الدول العربية على إنشاء برنامج اجتماعي لا يليق بقناة العائلة! هذا مؤسف يا مارك.

21