قرية تونس في مصر يولد أبناؤها فنانين

ألوان بهيجة تميز قرية تونس المصرية التي استأثرت بشحنة هائلة من الجمال النابض في مختلف أرجائها بفضل أبنائها الذين برعوا في فنون عدة منها الخزف والنحت.
الجمعة 2019/11/22
معرض كبير ومفتوح على الدوام

الطبيعة والموهبة ساهمتا في جعل شوارع قرية تونس المصرية معارض فنية مفتوحة أمام زائريها، حيث يمتاز سكانها كبارا وصغارا بالقدرة على الإبداع وتحويل طينها إلى تحف وجدرانها إلى لوحات ونحاسها إلى نقوش جميلة.

الفيوم (مصر)- تحولت شوارع قرية تونس بمحافظة الفيوم المصرية إلى معارض فنية، فبالإضافة إلى أنها تقع على ضفاف بحيرة قارون ومكسوة بخضرة خلابة ومحاطة بالجبال، يولد أبناؤها بفطرة فنية نادرة.

وعلى الرغم من صغر حجم هذه القرية الواقعة على بُعد 80 كيلومترا جنوبي غرب العاصمة القاهرة، فإنها استأثرت بشحنة هائلة من الجمال النابض في مختلف أرجائها، فهي تزخر بألوان بهيجة وتزدحم بالعديد من الفنّانين ممن برعوا في فنون الخزف والفخار والرسم والنحت على النحاس.

ولا يفوّت الزوار والسياح المتوافدون على القرية من داخل البلاد أو خارجها فرصة الوقوف أمام طفل صغير لم يتجاوز عمره العشرة أعوام لكنه يعمل بسرعة وإتقان على تحويل الطين إلى تحف فنية رائعة.

ويقفون لمشاهدة أنامله الصغيرة وهي تقوم بتشكيل قطعة من الخزف، فيما تحرك قدماه الصغيرتان “الدولاب” ليلف القرص وينتهي من تشكيل قطعة الفخار ويحولها إلى قطعة فنية. وكل ذلك يتم بسرعة وخفة ومهارة.

وليس بعيدا عن الطفل يلفت فنان آخر ثلاثيني الانتباه إليه وهو جالس وأمامه منضدة تعرض العديد من أعماله الفنية، وأمامه طبق نحاسي وبين يديه مطرقة وآلة حادة تشبه المسمار.

ويرفع مطرقته على إيقاع منتظم، ليعيش بين عالم الخطوط وبعدما ينتهي تخرج من بين يديه قطعة فنية مُزينة برسوم أندلسية وخطوط فن إسلامي رائعة. وقال “حين أبدأ في الرسم على النحاس، أنسى العالم بما فيه وأعيش بين تلك التشّعُبات من الخطوط والأشكال التي تترجمها يداي بالرسم على قطعة النحاس التي بين أصابعي”.

أنامل صغيرة لكنها مبدعة
أنامل صغيرة لكنها مبدعة

وعلى بُعد أمتار قليلة، يجلس الشاب الثلاثيني أيمن المعبداوي بين العشرات من اللوحات الفنية التي قام برسمها للمناظر الطبيعية بمحافظة الفيوم.

وتُجسد اللوحات البعض من الصور لحياة الفلاحين والبدو في القرى المختلفة، والحياة في مصر القديمة، فيما ينتشر حوله العشرات من الزوار لشراء بعض اللوحات الفنية منه، أو التقاط الصور بين تلك اللوحات.

وأوضح المعبداوي أنه حاول ترجمة تلك الطبيعة الساحرة بالمناطق المختلفة بالفيوم مثل وادي الريان وبحيرة قارون وقرية تونس وغيرها على الورق، مضيفا “الكثيرون لا يصدقون أنّ شخصا نشأ في قرية نائية يرسم تلك اللوحات الرائعة”.

وتقدم القرية الصغيرة البهجة والمتعة لجميع الأعمار، فالأطفال يلهون ويلعبون في الهواء الطلق ويختبئون وسط الأشجار، وآخرون يتسابقون بالدراجات، فيما تجلس مجموعة أخرى داخل مركز الفيوم للفنون لتعلم الرسم، كما يجد الكبار أكثر من وسيلة للترفيه عن أنفسهم.

وحاولت فتاة عشرينية زائرة للقرية جذبت أنظارها الأواني الفخارية أن تخوض التجربة وتصنع قطعة من الفخار بنفسها، فطلبت من أحد أصحاب الورش السماح لها بصناعة قطعة. وبدأت تتعلم وسط تعالي الضحكات من حولها في كل مرة باءت فيها تجربتها بالفشل، حتى تمكنت في النهاية من صُنع قطعة فخار بيديها، قبل أن تتفق مع صاحب الورشة على أن تعود في اليوم التالي لتأخذها بعدما تجف.

مظاهر الفلكلور والفنون التي زيّنت القرية، ليست بالجديدة عليها، فقد بدأت منذ عشرة أعوام، حينما قررت محافظة الفيوم تنظيم مهرجان للقرية وعروض حية بالشوارع خلال شهر نوفمبر من كل عام، بعدما ذاع صيت القرية وتوافد عليها السياح، بسبب “خزافة سويسرية” كانت نقطة تحول تلك القرية الصغيرة إلى العالمية.

شوارع قرية تونس بمحافظة الفيوم المصرية تحولت إلى معارض فنية

وكانت تونس في الستينات قرية هادئة لا يقطن بها سوى عدد ضئيل من السكان، ولم تكن بها أي من الخدمات ولا حتى الكهرباء.

لكن وفق تقارير محلية، كانت “الصدفة” سببا رئيسيا في تحويلها إلى قرية مشهورة يتوافد عليها السياح من جميع أنحاء العالم، حينما كان يزور الشاعر المصري الراحل سيد حجاب وزوجته الخزافة السويسرية إيفلين بيوريه بحيرة قارون للاستمتاع بالطبيعة التي كانا مولعيْن بها.

آنذاك، شاهدا قرية على ضفاف البحيرة وفيها الكثير من الخضرة، وتحيطها الجبال، فدخلاها وأعجبتهما كثيرا، وقررا شراء قطعة أرض وبناء منزل عليها.

وأقامت بيوريه في القرية وحولتها إلى قرية سياحية وأنشأت مدرسة لتعليم صناعة الخزف والفخار وبدأت تدريب أطفال القرية فيها. كما يقع بمدخل هذه القرية متحف أسسه محمد عبلة وهو مبني على طريقة بيوت الريف الطينية، ويضم نحو 500 لوحة كاريكاتيرية من بداية القرن الماضي إلى اليوم.

24