قرية عجيبة تبحث عن مخلص في "نقطة نظام"

يخلق الكاتب المصري صبحي موسى في معظم أعماله عوالم روائية إشكالية، بعضها يغوص في تفكيك تاريخ الإسلام السياسي في المنطقة على نحو ما فعل في رواية “أساطير رجل الثلاثاء”، وبعضها يقتحم بؤر محاكم التفتيش التي تعرَّض لها المسلمون في الأندلس كما ظهر في روايته “الموريسكي الأخير”، وفي روايته الخامسة “نقطة نظام” لا ينفصل عن هذه العوالم الإشكالية، وإن كان في هذه المرة يمزج بين الواقعي والخيالي.
الأربعاء 2017/10/11
صراع لا يهدأ (لوحة للفنان سعد يكن)

تدور أحداث الرواية الجديدة لصبحي موسى “نقطة نظام” حول شخصية الصحافي الحالم بكتابة رواية، وبعد محاولات فاشلة لا تروق لناقده الأوّل زوجته، يكتب فصلا عن “إبراهم المجذوب” يُلاقي استحسان زوجته وأصدقائه اليساريين، ويضطر إلى الذهاب إلى أرض الواقع لمُشاهدة الأماكن الحقيقية التي يكتب عنها.

وعندما يصل إلى القرية التي يصفها بأنها “مجهولة ولا أحد يعرفها على الخريطة” متعمدا عدم تسميتها لتصبح فضاء كونيّا عاما، يتوازى مع التوازيات التي تُقيمها الرواية المتعدّدة مع صورة الوطن بصفة عامة، يحدث الانفجار وهو الحدث الذروة؛ حيث اختفاء حي الأغنياء الذين سافروا إلى الخليج في العشرين عاما الأخيرة، وعادوا ليبنوا بأموال النفط قصورا في الجانب المهجور من القرية، وهو حدث فانتازي بامتياز.

وأثناء حل لغز الاختفاء تتضح معالم هذا الواقع الذي لا يقل غرائبية عن الحدث نفسه، أو عن تلك الأفعال التي وصلها ميرزا بتحويل البشر إلى حيوانات، في إيمانه المطلق بالقوى الغيبية وهيمنتها على جميع أفراد القرية بلا استثناء، بل وصلت إلى التنازع في ما بينها لإحكام السيطرة عليهم، وهو بمثابة جواب على حالة الركون والاستسلام التي بدا عليها أهل القرية، ليس فقط لأصحاب الليل والنهار، وإنما أيضا استسلامها لقُطَّاع الطرق ثمّ تجّار المخدرات والسّلاح، إلخ …

الكاتب يقرن بين تاريخ القرية وتاريخ الانتهاكات التي تعرضت لها منذ الستينات، وأيضا ما حل بها من متغيرات

الغريب أن هيمنة قوى الليل والنهار توازت هي الأخرى مع هيمنة قوى الأمن على العناصر المتحالفة معها والتي كانت تدير اللعبة وفق مخططاتها إلا أن اللعبة في الأخير خرجت من بين يديها، ولم تستطع أن تُقدّم التبرير المقنع كما حدث في حوادث مشابهة سابقة مثل تفجير فندق شرم الشيخ، وقطار الصعيد.

المخلص الحر

أحد أسباب الانفجار كما سعى الجميع لقبولها، هو الصّراع الدائر بين مملكة الليل والنهار، وإيمان سعيد ميرزا بقرب المهدي المنتظر الذي سينقذ الناس من أهوال القيامة، وعمله الجادّ في إثبات علاماته التي قال عنها حسّان وقد بدأت تتحقق واحدة تلو الأخرى منذ دم العريس الضو، وما تلاها من طيران الحجر، واجتياح العسكر البيوت والحقول.

ومع أن الانفجار يكشف صراعات عدة لا على مستوى المواجهة وإنما على مستوى الفكر؛ حيث الإيمان المطلق من فئة كبيرة من الناس بالخرافات التي راحت ترعى في القرية وشكَّلت أسطورة صَعُبَ التَّخلِّى عنها، بل صار هناك فريقان يتصارعان لضمان ولاء الناس؛ الأوَّل بقيادة سعيد ميرزا وزايد عمّ الصحافي الذي ورث المهنة عن أبيه، والفريق الثاني كان بقيادة إبراهيم الحفناوي والشيخ السُّني.

الغريب أن مؤسسي هذه الأساطير ليست لهم جذور في المكان، فحسّان صاحب الفزَّاعة الكُبرى هو ابن فتاة من الغجر جاءت إلى أرض الشروة وقالت إنها تزوجت في منامها من مارد طيب. وبالمثل زايد تحوّل من قاطع طريق إلى ساحر. أما إبراهيم الحنفاوي، الذي رسخ أسطورته منذ أن عاقب الشيخ السني في يده، فوجدوه على باب المسجد، ورباه الحفناوي وزوجته، وميرزا نفسه جاء غريبا وبقي حارسا لمحطة السّكة الحديد إلى أنْ يهجر مهنته ويتولَّى أعمال السِّحر وَمُناجاة الجن.

صراع بين العالم السفلي والعالم الحقيقي

جميع هذه الشخصيات التي شكَّلتْ أسطورة وهمية لا تنتمي إلى القرية، الأسطورة أن الخلاص سيكون على يد المهدي المنتظر وآخر علامة لظهوره مرتبطة بأحد أبناء القرية، وبالفعل ينجح الراوي في تأكيد الخلاص ليس فقط لوأد الأساطير المُعشِّشة في عقول الجميع وهدمها وتقويض بنيتها، وإنما في أن خلاص البلد سيكون بيد أبنائها وليس بيد أحد، وهو ما تحقق بنهاية الرواية بقيام الثورة وإعلان الشعب إسقاط النظام. فهذا السقوط كان بشارة الرواية ورهانها على الخلاص بيد أبنائها.

القرية المتنهكة

فارقت القرية في الرواية حضورها الرومانسي الذي تجلّى في روايات الرومانسيين. فالقرية هنا ليست حاضرة بصفتها فاعلا بقدر ما هي مفعول فيه، فقدمت القرية تمثيلات مُختلفة لما يحدث على مسرح الوطن كاملا؛ فالكاتب يقرن بين تاريخ القرية وتاريخ الانتهاكات التي تعرضت لها منذ الستينات، وأيضا ما حلّ عليها من مُتغيرات تمثَّلتْ في سيطرة القوى المُؤمنة بالغيبيات والسِّحر والعالم السُّفلي تارة، وتارة هيمنة القبضة الأمنية، منذ حادثة فتح المياه التي أرسل فيها جمال عبدالناصر قوات لردع القرية.

الكاتب يتخذ من الانفجار مجهول المصدر، وسيلة لتفكيك منظومة الاستبداد والفساد التي نخرت في كافة أجهزة الدولة. والرواية لا تكشف فقط تورط الأجهزة الأمنية مع تجار المخدرات والسلاح وشبكات المصالح بين الطرفين، بل أيضا تكشف في أحد أوجهها عن العلاقة الشائكة بين الصحافة والأمن. فتقدم صورة مقربة عن واقع الصحافة التي صارت ذراعا للأمن، وبالمثل فساد الصحافة والرشاوى الجنسية.

فكرة البحث عن المخلص، التي ترددت في الرواية على أنها الحل الأمثل للنجاة مما وطأ المكان من قهر، والاستعانة بأقطاب المتصوفة الموكول لهم حراسة الأرض، وبين السحرة وما معهم من مردة الجن الراغبين فى قلب النظام، وإعادة التوازن للعالم، على الرغم من أنها فكرة أصيلة في هذه المجتمعات القروية إلا أنها تؤكد ناحيتين؛ الأولى هي غيبة الوعي وهيمنة الوعي المتكلِّس، كما في حكاية إبراهيم الحفناوي والشيخ السّني، والاعتقاد في الأعمال السُّفلية كما في حكاية الأب وعمّ الراوي الذي سحره حمارا ذات خلاف بينهم.

الشيء الثاني الذي تؤكّده هو العجز عن تحقيق إرادة التغيير من الداخل، وهو ما أثبتت ثورة يناير عكسه، فالثورة جاءت دون توقع وحدث التغيير حتى لو جانبها الإخفاق بسبب العجز الذي بدت عليه الأحزاب التي أظهرت الرواية، الصادرة مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية، ضعفها وأنها كانت أشبه بدكاكين للأمن.

14