قسوة الحكاية بعد 50 عاماً من الصمت

رواية سيرية للطاهر بنجلون يسرد فيه حكايات عشرات الطلاب سجنوا عقابا لهم على تظاهرهم سلميا في شوارع المدن المغربية الكبرى في مارس 1956.
الأحد 2019/09/15
يستعيد بنجلون في روايته لحظات عصيبة من حياته الشخصية ومن تاريخ المغرب الاجتماعي والسياسي

يكشف الطاهر بنجلون في روايته السيرية “العقاب” أحداثا مثيرة تعرض لها قبل خمسين عاما، يبوح بما تكتم عليه طيلة عقود، كمن يتخفف من أعباء الأسرار بإلقائها إلى الآخر، والتخلص من قسوتها التي لا تزال فاعلة ومؤثرة ومتجددة عبر الزمن.

يلفت الطاهر بنجلون حين حديثه عن عمله (ترجمة، مصطفى الورياغلي، الدار البيضاء 2018)، إلى أنه اتخذ قرارا أدبيا بأن يحكي ما جرى في زمن الحاضر بطريقة واقعية بلا رتوشات أو محسنات. وأن يرويها كما حدثت في وقتها، يوما بيوم، دون أن يكون لشخوصها أدنى علم بما سيصيبهم في اليوم التالي.

حجج عبثية

يسعى بنجلون -وهو روائي مغربي فرنسي، ولد سنة 1944 في طنجة، فاز بجائزة الغونكور الأدبية الشهيرة سنة 1987 عن روايته “ليلة القدر”، وله عشرات الأعمال الأدبية التي نالت حظها من الشهرة- لتوثيق اعتقال مشين تعرض له مع العشرات من الشباب المغاربة الطامحين إلى الحرية والاستقلال.

ويسرد معه حكايات عشرات الطلاب الذين سجنوا، عقابا لهم على تظاهرهم سلميا في شوارع المدن المغربية الكبرى في مارس 1965، وكيف أنهم وجدوا أنفسهم مسجونين داخل ثكنات بذريعة الخدمة العسكرية، تحت رحمة ضباط تابعين للجنرال أوفقير، كانوا مكلفين بإعادة تربيتهم وتعذيبهم، وأخذهم إلى مناورات خطرة بحجج عبثية.

يحكي عن حادثة استدعائه من قبل النظام سنة 1966 على يد سلطات الاحتلال التي انتزعته، وهو لا يزال فتى غضّا لم يكمل العشرين من عمره، من حضن أسرته، وكانت الأوامر تنطلق بالتزامن مع السباب التي تنهال عليه، ولم تكن أمه ترى سوى السواد، وتجاهد كي لا تنهار فوق الأرض، وكانت الأوامر تقضي بأن يذهب إلى معسكر الحاجب بأمر من الجنرال.

يحكي عن حادثة استدعائه من قبل النظام سنة 1966 على يد سلطات الاحتلال التي انتزعته، وهو لا يزال فتى غضّا لم يكمل العشرين من عمره، من حضن أسرته

يصف ذاك العصر بأنه العصر الذي يختفي فيه الشبان، ويعيش الناس في خوف، ويتحدثون همسا احترازا من أن تسجل الجدران الجمل الملفوظة ضد النظام، ضد الملك ورجاله المقربين، عسكريين لا يتورعون عن أي شيء، ورجال شركة بلباس مدني يتوارى عنفهم خلف عبارات جوفاء.

يقول إن جريمته كانت المشاركة في 23 مارس سنة 1965 في مظاهرة طلابية سلمية قمعت بالدم، وكان برفقة صديقه عندما شرع فجأة أفراد من فرقة خاصة في ضرب المتظاهرين بكل قواهم، من دون سبب. ويصور كيف استولى عليهم الفزع، فأخذوا يجرون طويلا قبل أن يجدوا أحيرا ملجأ في مسجد، ويتألم وهو يقول إنهم رأوا جثثا فوق الأرض ممرغة في دمائها.

يستذكر أنه شاهد الفزع والحقد، وشاهد خصوصا وجه ملكية أطلقت يد عسكريين ليستردوا النظام بكل الوسائل، ويؤكد أنه في ذلك اليوم تم الطلاق نهائيا بين الشعب وجيشه، وكان الهمس في المدينة يذكر أن الجنرال أوفقير نفسه أطلق النار على الحشود من هليكوبتر في الرباط والدار البيضاء.

يقول إنه في تلك المرحلة من العمر كان من الطبيعي أن يرغبوا في تغيير العالم، وكانوا يريدون أن يناضلوا ضد الظلم والقمع وانعدام الحرية. ويصف كيف أنه كان من المتوقع أن يأتي رجال ليطرقوا باب الشخص باسم الحكومة، ولا يجرؤ على التحقق من هوياتهم، ويزعمون أنها مجرد مراقبة روتينية، ولفت إلى أن سيادة الاستبداد والظلم جعلت الحياة خوفا.

معسكر التعذيب

تجربة سجن وإذلال ومعاناة
تجربة سجن وإذلال ومعاناة

يستعيد اللحظات العصيبة القاهرة حين أوصله أخوه إلى باب معسكر الحاجب، يقول له قبل التوجه نحو باب المعسكر، وبعد أن يحضنه بين ذراعيه ويشعر أنه يبكي، يهمس له بأنه سيتركه بين يدي أولئك الأجلاف، وأنه لا يملك حتى الحق في معرفة سبب احتجازه في ذاك المكان ولا مدته، ويطلب منه أن يكون شجاعا، وأن يوافيهم برسائل إن استطاع، ويعتمد على التورية في كتابته لها، وهم سيتكفلون بقراءة ما بين السطور.

يتحدث بأسى أنّ الغاية كانت تبرر الوسيلة في تلك المرحلة، وأن النظام والانضباط كان قبل كل شيء، ويحكي أن رفيقا لهم مات خلال حصة تعذيب، استسلم قلبه، رفض أن يجيب عن أسئلة رجال شرطة متخصصين في ذلك النوع من الاستجواب. يقول إنه لا كلمات، لا أسئلة، ولكن صفعتين أسقطتا ضرسا من فمه. ويسترسل كيف كان التعذيب يصل إلى صور وحشية إجرامية.

يذكر بنجلون في روايته أن الأمن الفرنسي المغربي كان قد تبنى أساليب المافيا في فترة الاحتلال، واستمرت شرطتا البلدين بالتعاون على الرغم من أن الجنرال ديغول قد أفزعه ما حصل. ويتألّم حين يتحدث عن أهله الذين لم يكونوا يعرفون شيئا عن أوضاعه في المعتقل القاسي.

يصف لحظة الصدمة وبداية التعذيب، وكيف تعامل معه السجان الذي أخبره أنه سينتزع منه كل ما هو مدني، وكان قبل ذلك يتساءل إن كان سيرتعد أم سيغمى عليه، سيضحك أم سيقاوم، سيصيح ويصرخ أم يصمت ويتركهم يجزون رأسه مثل خروف. وبعد قص شعره، يشعر أنه صار قصيرا، يحس أنه من دون شعر، منكمش ومسحوق، وأنه حشرة بين أيدي المتوحشين، ومجزوز مثل خروف، مثل محكوم بالإعدام.

يشير إلى أنه كان يتذكر حكاية “شمشون ودليلة” والقوة الكامنة في شعر البطل، شعر أكثر، قوة أكبر. يقر بأنه صار شخصا آخر، وأنه يجب أن يصمد في هذا الموقف، وإلا فإنه سيهلك، ما يحصل له يعني شخصا آخر، يعيره اسمه، وأنه ليس سوى بديل، ظل أو خيال، وأن عليه ألا يشعر بشيء، وألا ينفعل، وألا يفكر إلا في أن يرضى بما يحدث من غير اكتراث.

ينوّه إلى أن الانقلاب الذي خطط له الجنرال أوفقير وقاده ضد الملك سنة 1971، كان منقذا لهم، لأن فشله دفع السلطة الملكية إلى معاقبة الضباط الذين كانوا مع الجنرال، وتم الإفراج عن السجناء في المعسكر التعذيبي الذي طال لفترة ظنّوا أنّها لن تنتهي.

يختم في النهاية بقوله إنّه عوقب لأنه تظاهر بهدوء من أجل قليل من الديمقراطية، وأنه لمدة شهور لم يكن سوى رقم تسجيل، وذات يوم استرجع حريته بعد أن كان قد فقد الأمل في ذلك، وتمكن أخيرا مثلما كان يحلم، من أن يحب، ويسافر، ويكتب وينشر مؤلفات عديدة.. ويؤكّد أن كتابة “العقاب”، والجرأة على الرجوع إلى تلك الحكاية، والعثور على كلماتها، تطلّب منه ما يناهز الخمسين عاما.

13