قسوة المعيشة على الليبيين وصلت إلى رغيف الخبز

المشكلات الاقتصادية تفاقمت في ليبيا بعد عام 2014، حينما أنشئت حكومتان وبرلمانان وبنكان مركزيان متنافسان في طرابلس وشرق البلاد أعقاب الصراع حول الانتخابات.
السبت 2018/07/14
أين كنّا وأين أصبحنا
 

يواجه الليبيون اليوم أزمة متعددة الوجوه مرورا بالأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية وصولا إلى صعوبة توفير ضروريات الحياة اليومية. وتجد الأسر الليبية نفسها في ضائقة مالية واقتصادية تزداد شدة مع الزيادة الحادة في أسعار الخبز الذي يعد مادة استهلاكية أساسية لكل بيت ليبي. وكان الخبز من المواد الغذائية التي تحظى بدعم سخي من الدولة قبل انتفاضة 2011 ما يجعله في متناول الجميع فيشترون منه ما يسد حاجاتهم وأكثر.

طرابلس- يواجه الليبيون صعوبات معيشية فعلية، تفاقمت مضارها مع الزيادات الحادة في أسعار الخبز، بينما يؤدي فشل نظام الاستيراد والانقسامات السياسية إلى المزيد من الضغوط المادية على المواطنين العاديين بفعل ارتفاع نسب التضخم.

وبالرغم من أن الخبز يعد سلعة أساسية للأسر الليبية، إلا أن المخابز في العاصمة طرابلس أغلقت بشكل مفاجئ قبل أسبوعين، قائلة إنها مضطرة إلى ذلك بسبب ارتفاع أسعار الطحين (الدقيق) والوقود.

وعندما فتحت مجددا اعتذرت للمواطنين ورفعت سعر رغيف الخبز، حيث سعرت ثلاثة أرغفة صغيرة بدينار، ومن قبل كان المواطن الليبي قادرا على شراء ثمانية أرغفة بنفس السعر أي بدينار واحد. وتشتكي معظم الأسر الليبية من الغلاء المشط في المواد الاستهلاكية والغذائية، والذي أصبح يثقل كاهلها خصوصا في غياب دعم الدولة لبعض المواد الضرورية.

وقالت خيرية زغيط، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 54 عاما، “الله وحده يعلم مدى صعوبة الوضع”، مضيفة “عندما أريد تجهيز شطيرة لابني، اعتدت على أن تكون رغيفا من الخبز ولكنها الآن نصف الرغيف”.

وأوضحت زغيط “في بعض الأيام لا نشتري خبزا… وأحيانا أشتري بالصك المصرفي ولكنهم الآن لا يعطون الخبز مقابل الصك”. فيما مضى كانت ليبيا الغنية بالنفط وعدد سكانها البالغ 6.5 ملايين فقط، واحدة من أغنى الدول في المنطقة. وقبل انتفاضة 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي، كان الدعم الحكومي يمكّن الفرد من شراء 40 رغيفا من الخبز بدينار واحد.

من يسد فجوة الدعم
من يسد فجوة الدعم

اختلف الوضع في الوقت الراهن إذ قسمت الخلافات والنزاعات البلاد إلى فصائل متناحرة تحارب من أجل السيطرة على السلطة وإيرادات النفط. وبالتزامن مع هذه الأوضاع تفاقمت المشكلات الاقتصادية بعد عام 2014، حينما أنشئت حكومتان وبرلمانان وبنكان مركزيان متنافسان في طرابلس وشرق البلاد في أعقاب الصراع حول الانتخابات.

وبقيت أسعار السلع الأساسية متقلبة، في ظل تذبذب حاد في قيمة الدينار الليبي في السوق الموازية. واتسعت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي للعملة البالغ 1.4 دينار مقابل الدولار، والسعر في السوق السوداء بعدما هبطت إيرادات البلاد من العملة الأجنبية بسبب تعطل إنتاج النفط. ويشتري الدولار حاليا حوالي سبعة دنانير في السوق الموازية.

ويستغل بعض الأشخاص الدولارات التي يحصلون عليها بسعر الصرف الرسمي من أجل الاستيراد في أعمال غير مشروعة، وهو ما يسبب شحا في الموارد المالية الموجهة لجلب سلع ضرورية إلى البلاد. كما أدى انهيار الثقة في النظام المصرفي، الذي يقع جزئيا تحت سيطرة المجموعات المسلحة، إلى أزمة حادة في السيولة المالية بجانب اقتراب نسب التضخم من 30 في المئة.

ويقول أحمد علي، موظف حكومي، بينما كان يتسوق لقضاء بعض حاجات عائلته في بنغازي “بعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية واللحوم، أصبح الراتب لا يكفي، وعندما تذهب إلى المصرف لا يعطونك راتبك كاملا حيث لا تتوفر لديهم السيولة إلا كل ثلاثة أو أربعة أشهر”. ويُلقي تجار ومسؤولون في بنغازي اللوم على الانقسامات السياسية وضعف الدينار في الزيادات الحادة للأسعار منذ العام الماضي.

في انتظار القادرين على الشراء
في انتظار القادرين على الشراء

ويفيد علي خالد، وهو صاحب مخبزة، بأن “السبب في ارتفاع سعر رغيف الخبز هو عدم حصول أصحاب المخابز على الدقيق المدعوم بشكل منتظم”، الأمر الذي يضطرهم إلى الشراء من السوق السوداء.

ويرى جمال الشيباني رئيس صندوق موازنة الأسعار في طرابلس أن الدولة هي الطرف الوحيد الذي يمكنه أن يضمن سعرا عادلا ومستقرا للخبز، لكن صندوق موازنة الأسعار لم تخصص له الأموال اللازمة لتوريد القمح أو الدقيق على مدار السنوات الثلاث الماضية.

وتابع الشيباني قائلا “بما أن الدولة عاجزة عن سد فجوة الدعم بسبب انخفاض عائدات النفط ، فقد تُرك الأمر للقطاع الخاص، فلا أحد يتحمل المسؤولية ولا أحد يخضع للمساءلة”.

ويقول الكاتب التونسي المختص في الشأن الليبي الحبيب الأسود في تصريح لـ”العرب”، “إن أزمة الخبز في ليبيا قادرة لوحدها على اختصار الوضع المتأزم في البلاد بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية”.

 ويوضح أن ليبيا البلد الثري بالنفط والغاز، وصاحب الاعتمادات الضخمة المجمدة في مصارف الغرب، والذي بلغ فيه الإنفاق الحكومي 277 مليار دينار خلال خمسة أعوام فقط، وفق التقرير الأخير لديوان المحاسبة، بات مواطنوه عاجزين عن توفير حقهم اليومي في أرغفة الخبز والسلع الغذائية الرئيسية.

لا أحد يتحمل المسؤولية
لا أحد يتحمل المسؤولية 

ويؤكد الأسود أنه قبل أحداث 2011، كان المواطن الليبي يشتري 40 رغيف خبز بدينار واحد، وأن البعض كان يجعل من الخبز غذاء لحيواناته، لأن سعره أرخص من سعر الأعلاف، ولكن في أكتوبر 2010 قررت السلطات زيادة أسعار الخبز بنسبة تقارب 100 بالمئة بعد أن ظلت ثابتة طيلة ما يربو على 30 سنة.

وتستهلك ليبيا نحو مليوني طن سنويا من القمح، تستورد الحكومة 90 بالمئة منها، وعادة ما يحتفظ صندوق موازنة الأسعار بنحو 136 ألف طن احتياطي من الإنتاج، إلا أن المخزون نفد بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة التي تشهدها البلاد، وكذلك بسبب آفة الفساد التي نخرت المجتمع، وأثرت سلبا على معيشة الليبيين.

واليوم بات على المواطن الليبي أن يدفع دينارا من أجل الحصول على ثلاثة أرغفة خبز، ويحتاج الوصول إلى ذلك الوقوف في طوابير طويلة أمام المخابز، بينما يشكو الليبيون من أن أسرهم وفيرة العدد وقد تحتاج إلى 5 دنانير لشراء خبز يومها، في ظل شح السيولة، وإمكانية أن يقضي المواطن يوما أو يومين أمام مصرف للحصول على 200 دينار من رصيده الذي لم يعد قادرا على التحكم فيه. ووفقا للأمم المتحدة فإن نحو 1.1 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية.

17