قس أميركي يواجه المؤبد في تركيا بتهمة غير ثابتة

النظام القضائي في تركيا يخضع لسيطرة الحزب الحاكم حيث لم يعد هناك نظام قانوني مستقل ولو حتى نظريا.
الخميس 2018/03/15
محاكمات غير عادلة يعتمدها نظام أردوغان لتحقيق مصالحه السياسية

أنقرة – تنفي أنقرة أي صلة لها بدعم الإرهاب وتمويله، وتضع التقارير والشهادات التي توثق علاقات النظام الحاكم بجماعات وشخصيات مصنفة على قائمة الإرهاب الدولية في خانة نظرية المؤامرة، لكن، وحتى لو لم يثبت الدور المباشر لتركيا في دعم الإرهاب ماديا، فإن خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسياساته يصبان في صالح انتشار التطرف والإرهاب ورفض الآخر.
ينتقد أردوغان أوروبا ويتهمها بنشر الإسلاموفوبيا، في الوقت الذي يحتجز فيه القس الأميركي أندرو برانسون، ويقايض به صراحة الولايات المتحدة: برانسون مقابل فتح الله غولن. ومؤخرا، في تصعيد مستفز، طالب الادعاء التركي بتوقيع عقوبة السجن المؤبد على القس الأميركي بتهمة “قيادة منظمة إرهابية”، في خطوة قد تقوض جهود إصلاح العلاقات بين البلدين وتؤجج الخطاب المعادي للمسلمين في الغرب. 
ويعد أردوغان نموذجا قياديا للجماعات المتطرفة؛ وهو عندما يتحدث عن الأكراد يتوجه إليهم بخطاب لا يختلف عن الخطابات المتشددة، من ذلك تصريحه “هؤلاء (إرهابيو ي ب ك/ بيي كا كا) أوغاد وقتلة لدرجة أنهم أردوا جنديا من جنودنا شهيدا، أثناء رفعه القرآن الكريم من الأرض، زرعوا تحته قنبلة يدوية، هؤلاء حقا كفرة بلا أي عقيدة”.
وقالت صحيفة الديلي تلغراف إن أردوغان يعتمد خطابا يقوم على التحريض على العنف والتطرف. وبنت الصحيفة البريطانية موقفها انطلاقا ممّا جاء في شريط مصور يظهر فيه أردوغان متحدثا إلى طفلة ترتدي زيا عسكريا خلال مؤتمر لحزب العدالة والتنمية في مدينة قهرمان مرعش، بجنوب تركيا، وهو يقول لها إنها “ستكرم إذا استشهدت في سبيل تركيا”، في أسلوب ذكّر الكثيرين بأسلوب تنظيم الدولة الإسلامية وتعامله مع الأطفال.

 

يحارب العالم عسكريا وثقافيا واجتماعيا الإرهاب وتعاني مجتمعات مسلمة بسبب الخطاب المتطرف، لكن تبقى هذه الخطوات عاجزة عن اجتثاث هذا الفكر في ظل وجود سياسات وأنظمة، مثل النظام التركي، تغذي هذه الأيديولوجيا وتعطيها دوافع للبقاء، من ذلك قضية القس الأميركي المسجون دون محاكمة وتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي تنضح بعبارات عدائية تصل حد التطرف أحيانا

ولا يتوانى أردوغان، لتحقيق مصالحه السياسية، عن اتباع أي طريقة حتى لو خلال المحاكمات غير العادلة، وما يحدث مع القس برانسون، غيض من فيض من المحاكمات الصورية وغير النزيهة التي تعززت بعد انقلاب يوليو 2016 الفاشل، والتي يؤكد خبراء أتراك أنها تعمل على تعزيز مشاعر العداء للمسلمين وللأتراك في أوروبا، وتقدم حججا لليمين المتطرف في دول أوروبية عديدة، كما أن مثل هذا التصرف مع القس المسيحي يعطي أمثلة يقتدي بها الإسلاميون المتطرفون في عدائهم لأصحاب الديانات الأخرى.
ألقت السلطات التركية القبض على القس الأميركي في أكتوبر 2016 واعتقلته منذ ذلك الحين وأودعته في الحبس الاحتياطي. ووجهت إليه النيابة في البداية تهمة انتمائه إلى منظمة إرهابية، ثم أضافت إلى ذلك اتهامات أخرى من ذلك التجسس ومحاولة إسقاط الحكومة التركية.
ويشير إيكان أردمير، النائب السابق في البرلمان التركي والباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إلى أن محامي برانسون لم يتمكن من الوصول إلى “الأدلة السرية” و”الشاهد السري” اللذين تم استخدامهما للإيقاع به وتلفيق التهمة له. ويضيف أن برانسون لم يخضع إلى إجراءات قانونية أو فرصة للمحاكمة العادلة في تركيا، حيث في ظل قانون الطوارئ المفروض في البلاد، لم يتمكن القس من توكيل محام أو الاتصال بمسؤولي القنصلية الأميركية خلال الشهرين الأولين من احتجازه، ولا تزال السلطات تحرمه من هذه الحقوق القانونية.
وسلطت الحكومة التركية وسائل الإعلام التابعة لها لتشويه صورة القس بشكل منتظم وتوجيه مختلف الاتهامات له. ويستشهد أردمير بما جاء في صحيفة “تقويم” اليومية، التي تنتمي إلى تكتل إعلامي مؤيد للحكومة يديره صهر أردوغان وشقيقه، بأن القس “كان العقل المدبر لانقلاب تركيا الفاشل، وكان سيتقلد منصب مدير وكالة المخابرات المركزية لو نجح في إسقاط الحكومة”.
وتقول الكاتبة في موقع أحوال تركية، الذي قامت أنقرة بحجبه مؤخرا، إن “النظام القضائي في تركيا يخضع لسيطرة الحزب الحاكم وأنه لم يعد هناك نظام قانوني مستقل في تركيا، ولو حتى نظريا”. وتضيف أن العديد من الأحكام القضائية تكشف أن “تركيا تقطع آخر ما يربطها بسيادة القانون والقضاء المستقل، وهو ما سيؤدي إلى العديد من الصدمات المزلزلة، سواء بالنسبة للوضع الداخلي أو لصورة أنقرة في الخارج”.

أيكان إردمير: برانسون لم يخضع لإجراءات قانونية أو فرصة للمحاكمة العادلة في تركيا
أيكان إردمير: برانسون لم يخضع لإجراءات قانونية أو فرصة للمحاكمة العادلة في تركيا

وبسبب الاعتقال وما تعرض له، تدهورت الحالة الصحية والعقلية للقس الأميركي في السجن. وبعد قضاء عدة أشهر مع 20 سجينا في زنزانة بنيت لثمانية أشخاص، نُقل برانسون إلى سجن ذي حراسة مشددة. وأفادت ساندرا جولي وكريستينا أرياغا، نائبتا رئيس اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية، اللتان زارتا برانسون في أكتوبر 2017، أن القس مُحتجز “في زنزانة مع شخصين آخرين، لكنه الأميركي الوحيد، والمسيحي الوحيد، وهو الوحيد الذي يتحدث الإنكليزية”.
وفي ديسمبر 2017، بعث برانسون يخاطب زوجته قائلا “أحد مخاوفي الكبيرة هي أن يتم نسياني بين جدران السجن”. ومنذ اعتقاله، خسر القس أكثر من 50 باوندا من وزنه، وفق تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
وخلال زيارة أردوغان لواشنطن في مايو 2017، طرح الرئيس دونالد ترامب هذه القضية ثلاث مرات. كما التقى وزير الخارجية الأسبق ريكس تيلرسون بزوجة برانسون في أنقرة خلال زيارته في مارس 2017.
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الخارجية التركي في فبراير عام 2018، طالب تيلرسون مرة أخرى بالإفراج عن برانسون ومواطنين أميركيين آخرين “تم اعتقالهم ظُلما“، لكن، وجد نداء المسؤولين الأميركيين إلى نظرائهم الأتراك آذانا صماء. وفي الأثناء، كانت هناك دعوات متزايدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد أنقرة، حيث خاطبت ابنة القس، جاكلين فورناري، مؤخرا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بقولها “يجب على تركيا ألا تهرب بفعلتها في احتجاز والدي يوما آخر“. وقام زملاء برانسون بعدها بترديد كلامها وطالبوا الحكومة الأميركية باتخاذ إجراءات ضد اعتقال أنقرة لبرانسون.
ويؤكد سونر جاغابتاي، ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، أنه على الولايات المتحدة تحذر أردوغان، قبل فوات الأوان، حول الكيفية التي أدت فيها مساهمة سياساته الدينية إلى ظهور مشكلة التطرف. وهذا أمر مهم خاصة بعد الانقلاب الفاشل في تركيا حيث نجح أردوغان جزئيا من خلال تحريك قاعدته الدينية المحافظة. ومنذ ذلك الحين، احتشد الإسلاميون وحتى بعض الجهاديين خلفه.

للمزيد
تركيا تضع الأنتربول في موقف صعب

6