قشاشو الكراسي في دمشق يحيون حرفتهم بتصاميم عصرية

مع عودة العديد من السوريين إلى تراث الأجداد، وانتشار المطاعم والمقاهي التي تهتم بكل ما هو تراثي، عادت بعض المهن اليدوية إلى الانتعاش بعد أن كادت تنقرض خلال السنوات السابقة، ومن هذه المهن تصنيع كراسي القش بمختلف الأشكال والتصاميم، وصيانتها وترميمها.
السبت 2017/07/22
فضاءات سياحية بكراس قديمة

دمشق - كانت كراسي القش من أساسيات البيت السوري وخاصة في دمشق، حيث تتواجد إلى جانب بحرة البيت، وداخل الغرف، كما كانت تتواجد في الدكاكين والمقاهي، غير أنها فقدت مكانتها لمصلحة الكراسي البلاستيكية الرخيصة الثمن وكراسي الحديد والجلد وغيرها.

في الفترة الأخيرة، بدأت هذه الكراسي تستعيد شعبيتها، فنهضت من جديد مهنة تصنيعها وصيانتها وترميمها، وأخذت تجتذب نسبة لا بأس بها من السوريين لاستعمالها كديكور في البيوت والمنشآت السياحية، إضافة إلى حاجة البعض ممن لا قدرة مالية لهم على اقتناء البدائل، وعاد أبناء أسر دمشقية كانت قد تخصصت في هذه المهنة إلى العمل بها من جديد.

وعرف الدمشقيون حرفة صناعة الكراسي من القش منذ القديم، وهي مهنة تتميز بإتقان صناعتها ومتانتها مقارنة بأنواع الكراسي الأخرى، فهي تخلو من المواد اللاصقة، كما أنها خفيفة الوزن وصغيرة الحجم.

وتركزت دكاكين صناعة كراسي القش الشعبية في منطقة باب مصلى وسوق القباقبية القديم خلف الجامع الأموي.

يقول شيخ الكار عبدالوهاب المالح، إن حرفة التقشيش قديمة وعريقة للغاية، فقد كانت في الثلاثينات من القرن الماضي منتشرة وعلى نطاق واسع جدا، وكان جده يصنع كراسي القش يوميا هو وخمسة من أشقائه ويبيعون منها الكثير وكانوا يصفون أنفسهم بالمقصرين لأن زبائنهم كثر والجميع بحاجة إلى كراسي القش.

أما سعد عبدالقادر صاحب ورشة لتصنيع كراسي القش في دمشق فيقول “هذه المهنة معروفة في دمشق منذ 600 عام، وتعتمد بوجه أساسي على الخشب وقش القمح؛ وهما المادتان الأساسيتان في صناعتها التي تتم يدويا”.

ويضيف “مازالت كراسي القش تعتبر مثل التحف تزين البيوت الدمشقية القديمة منها والحديثة، وتعطي البيت شعورا بالدفء والجمال، حيث عمل الحرفي الدمشقي على استعمال النقوش عليها؛ وأبرزها، الطاووس وعين الشمس والنسر وجميعها يتداخل فيها الفن مع الحرفية”.

حرفة أتقنها المكفوفون

ولمقاومة اندثار هذه الحرفة، اهتم من بقي من القشاشين بمواكبة العصر في صناعة أثاث البيت، وتطورت تصميمات هذه الكراسي عن السابق، فظهرت بألوان مغايرة جعل عددا من أصحاب البيوت يقبلون عليها، ويستخدمونها في المنازل، ففي السابق كان لها لون واحد، وهو لون الحبال المصنوعة منها، والآن دخلت عليها ألوان عدة بحسب اختيار الزبون، كما أصبحت متعددة الأشكال والألوان بما يتناسب مع ديكور كل منزل، وأضيفت إليها مخدات صغيرة زادتها جمالا.

قش وتصاميم

حول صناعة كراسي القش وتصاميمها يوضح أبوميهوب أنه يقوم بإعداد الخشب اللازم لصناعة الكرسي بالمقاس المطلوب، ويقوم بتسنين أطرافه لتتداخل وتتشابك في شكل زوايا قائمة ضمن مسافات مدروسة وبعد أن يقوم بتشبيكها، يكون قد أعد حبال القش ليقوم بتدويرها حول أضلاع مقعد الكرسي لتلتقي في المنتصف بشكل متصالب، فيما يتخذ الكرسي أشكالا متنوعة حسب الرغبة فمنها الكراسي الواسعة بشكل أريكة ومنها كرسي السفرة وكرسي الحمام الصغير وغيرها من المقاسات والأحجام.

مهنة تقشيش الكراسي لها أسرارها كغيرها من المهن، فالقش الذي يستخدمونه في صناعة الكراسي اسمه قش الحلفاء وقد أطلق عليه هذا الاسم لمرارة طعمه، فلا تقربه الحيوانات، ويتم جلبه من المستنقعات وضفاف الأنهار ثم ينقع في الماء ويوضع فوقه الخشب حتى يكتسب الطراوة والليونة ليسهل لفه ثم يمشط ويفتل ليصبح حبلا متينا ويشكل حسب الطلب كما لا يحتاج القش إلى أي آلة في تجهيزه بل هو يدوي الصنع بامتياز.

يقول شيوخ الكار إن كرسي القش يمتاز بطراوته وهو صحي للغاية لأنه يمتص الرطوبة في الشتاء والحرارة في الصيف. ويقول الباحث التاريخي برهان حيدر، “كرسي القش يدوم لأكثر من عشر سنوات في حال منع الأطفال من اللعب به وتقطيع قشه، خصوصا أن الخشب الخاص به يعمر كثيرا ويصمد أيضا، وباعتبار أن القش يعتبر نقطة ضعف الكرسي، فإن صناع الكراسي تكون لديهم ورشة خاصة لترميم القش حيث تتم معالجة أي مشكلة تطرأ عليه ويرمم من جديد لإعادة استخدامه”.

ويقول محمد الأطرش من المتشبثين بحرفة القشاشين، حول عملية التقشيش إنه وبعد إحضار القش يتم ترطيبه بالماء وتغطيته بقطعة من الخيش المبلول ليبقى رطبا ولينا فلا يسهل تكسره وتلفه ثم يجري تمشيطه بمشط خاص مصنوع من الخشب والمسامير وهو ما يقسم شريط القش إلى عدة أقسام قبل أن يجدل كشعر البنات ويشد إلى بعضه البعض ومن ثم إلى كرسي الخشب حيث يشكل بطرق وتصاميم متعددة.

الصناعات اليدوية هوية وتراث

وقد قلّ عدد أصحاب هذا الكار حتى بات من الممكن عدّهم على أصابع اليد مشيرا إلى أن العاملين في هذه المهنة اليوم يجتهدون في تطويرها خشية عليها من الانقراض ولا سيما بعدما احتلت الكراسي البلاستيكية والمعدنية الصدارة في المبيعات والإقبال عليها.

وأمام تناقص المواد الأولية أقبل الحرفيون الذين قل عددهم كثيرا على استبدال قش الحلفاء، بحبال من النايلون مع الحفاظ على نفس الطريقة في التقشيش.

وعن تصاميم كراسي القش السورية يقول الحرفي محمد القضماني “هناك تصاميم مختلفة للكرسي المحليّ منها الأبيض والحمصي والهزاز والكعكة وقرن الغزال والمدور.. وهناك نوع ظهر في مسلسل أم كامل التلفزيوني، فصار الكرسي معروفا بين الناس والحرفيين باسم كرسي أم كامل، كذلك هناك موديل يدعى (العربي الصغير) وهو منتشر بكثرة، وعادة ما يصنع من خشب الحور ومن قش الحلفاء الذي نأتي به من منطقة دير الزور على ضفاف نهر الفرات قبل أن يصير التنقل عسيرا علينا. وثمة من يصنع نماذج صغيرة للزينة أو لوضع الهاتف الجوال عليها أشبه ما تكون بالدمية أو النموذج المصغر.. وهذه تستهوي السياح الأجانب كثيرا”.

ومع اهتمام المرأة بديكور البيت، فقد جعل الحرفيون وخاصة الشبان كراسي القش تواكب ذوق المرأة وما يتناسب مع ذوقها في تأثيث البيت، فاختلفت تصاميمها وألوانها بما يتماشى مع غرفة الصالون أو غرفة الضيوف.

وجعل القشاش لا يغيب عن البيت الذي أضفت عليه مسحة تراثية ففرض كراسي القش لتتواجد مع الإكسسوارات التراثية والبساط القديم.

ويتناول القضماني جانب تصليح الكرسي، فيقول “عادة ما يظل الكرسي نحو عشرين سنة في البيت دون أن يصيبه تلف.. ولكن بعدها يصبح بحاجة إلى صيانة. وقد يعمر الكرسي لأكثر من ذلك شريطة ألا يتعرض للماء والرطوبة التي تسرع بعطبه. ولذا يلاحظ مثلا أن الكراسي في البيوت التقليدية المفتوحة ذات الفناءات تتخرب أسرع من تلك الموجودة في الشقق المغلقة”.

دكاكين صناعة كراسي القش الشعبية تركزت في منطقة باب مصلى وسوق القباقبية القديم خلف الجامع الأموي

ومن الأمور الطريفة، كما يقول، “أن بعض الأسر الدمشقية ظلت تحتفظ بكراسي القش المهترئة على الرغم من عدم استخدامها. ولقد جاءني أحد الدمشقيين بكرسي قش من طراز نادر كان ورثه عن والده، وعمره يتجاوز الثمانين سنة، وقال لي إن أقرباءه كانوا يحثونه دائما على رميه في القمامة.. لكنه رفض. وعندما عاد الاهتمام بهذه الكراسي جاءني به لنصلحه له حتى يتباهى به أمام أقربائه الذين لم يكن يعجبهم”.

وتنتعش صناعة كراسي القش الشعبية وتجارتها في الصيف وينتهي موسمها مع حلول الخريف، يقول صانع الكراسي محمد الخبير، “يعمل في المهنة حاليا عمال موسميون من طلبة المدارس الذين يستغلون العطلة الصيفية للعمل فيها، وهي بالأصل مهنة موسمية إذ أنها تنشط في فصل الصيف فقط، وتتوقف في فصل الشتاء، ذلك أن تصنيع هذه الكراسي يحتاج إلى طقس حار وجاف، ومعظم الناس يرغبون في صيانة كراسيهم مع بداية فصل الصيف للجلوس عليها في فناءات المنازل”.

عودة الروح

فقدت كراسي القش مكانتها لمصلحة الكراسي البلاستيكية الملونة والأكثر راحة في الاستخدام، والأقل كلفة، لكن الغيورين على هذه الحرفة التراثية لم يتنازلوا عن حرفتهم، ولم يغيروا اختصاص دكاكينهم لتجارة سريعة الربح.

يقول أبوميهوب وقد احتضن خشيبات معدة للبدء بصناعة كرسي القش، “كنت سابقا أقبل على صناعته بشغف وهمة لكوني أحب مهنتي وتمثل لي مصدر رزق لا بأس به لأعيل أسرتي، أما اليوم فأصنعه ليبقى في الذاكرة فقط، فمع تنامي الطلب على كرسي البلاستيك ورواجه تراجع الطلب على كرسي الخشب المقشش ولم يعد يلقى رواجا بين الناس، فيما كان في السابق يزين شرفات منازلهم وبساتينهم وغرفهم”.

لكن هذه الكراسي سرعان ما عادت إلى الواجهة وأقبل عليها الدمشقيون، وعاد صناعها إلى النشاط بعد سنوات الركود، يقول محمد المالح، “منذ سنوات لاقت هذه الحرفة رواجا جديدا بعدما أعاد إليها بريقها أصحاب مطاعم البيوت الدمشقية التي اعتمدت على الفلكلور الشرقي في ديكوراتها إضافة إلى الفنادق التي أخذت الشكل التراثي والمقاهي التي استرجعت كراسي القش عوضا عن الكراسي الأخرى”.

تصاميم مختلفة لكراسي القش منها الأبيض والحمصي والهزاز والكعكة وقرن الغزال

ويضيف المالح، “هذا الإقبال من جديد على هذه النوعية من الكراسي هو ما دفع هؤلاء إلى البحث عن أصحاب هذه الحرفة لكي يلبوا لهم طلباتهم، الأمر الذي جعل أصحاب هذه الحرفة يطورون صناعتهم بعدما أدخلوا عليها أفكارا جديدة، فلم يعد الأمر مقتصرا على الكراسي، بل تعداه إلى صناعة طاولات من القش تنسجم مع الكراسي لتشكل أطقما مميزة إلى جانب الكرسي الهزاز وكنبات القش، وهذا ما بث الحياة من جديد في عروق هذه المهنة والحرفة الدمشقية مرة ثانية”.

وأشار إلى أن الكثير من أصحاب “الفلل” يفضلون أن يشتروا لحدائقهم كراسي وطاولات من القش أيضا لجمال منظرها وخفة وزنها ومقاومتها لعوامل الجو.

وأضاف أيضا، أنه تمت إضافة خيط السيلوفان البراق للقش ولاقى الكرسي الممزوج بالسيلوفان والقش طلبا بخاصة في المنتجعات، مشيرا إلى أن عودة الناس وحنينهم إلى الماضي أعادا إلى هذه الحرفة ألقها وبريقها من جديد لتحاكي بماضيها العتيق أفكار العصر الحديث.

يقول عمار قصار مهني يعمل في صناعة الكراسي “هناك عدة أسباب لعودة اهتمام الناس بهذا النوع من الكراسي، ومنها اكتشافهم فوائدها الصحية للإنسان بعكس الكراسي البلاستيكية التي تسبب لهم الضرر، وتأثر الناس بمسلسلات البيئة الشامية، إذ شاهدوا كيف كان الناس يجلسون في البيوت، وفي الدكاكين على كراسي القش، ولا سيما الصغيرة منها، فصاروا يقلدون الممثلين في هذه الأعمال، ويستعيضون عن الكراسي البلاستيكية والجلد الصناعي بكراسي القش، أضف إلى ذلك افتتاح المطاعم والفنادق والمقاهي في دمشق القديمة، التي يحرص أصحابها على وجود كراسي القش انسجاما مع طبيعة هذه المنشآت وتصاميمها ومواقعها في أماكن تراثية”. وعلى الرغم من تراجع صناعة كراسي القش إلا أنها لا تزال تأخذ حيزا واسعا من زوايا المقاهي الدمشقية القديمة التي يرتادها السياح ومحبو التراث كصورة من صور الحنين إلى الماضي وكل ما يشترك به حلم الإنسان ويده مع الطبيعة لذلك تشبث حرفيو القش بالمحافظة على هذا التراث الشعبي ليبقى حيا في ذاكرة الأيام والأجيال القادمة.

20