قصائد أنثوية جريئة تتوجس من محاكمة المجتمع

تكمن صعوبة الفعل المتخيل، في الشعر، في أنه يوارب دائماً الحقيقة. يحاول تضخيمها، من خلال إشارات واهمة إلى ما سيكون عليه المستقبل، مستقبل العالم، ومستقبل الأفراد والبشرية. لكن تلك القصائد التي تكتب من عمق التجربة الشخصية، أو التي تعيد صياغة السيرة الذاتية، من خلال مفاهيم اليوميات المعاشة، هي قصائد قد تعاكس هذا المفهوم، من التخييل النضر، إذ أنها تبدو حقيقية. في حين أن هذه الحقيقة، هي حقيقة واهمة في الشعر، أي أنها غير واقعية، إنها إعادة صوغ لتجربة قد يكون جسد الشاعر عاشها، في الحب أو الوحشة أو الألم الوجودي، وهي دائماً ترتسم بطريقة فجائعية. لأن الشعر حينما يكون له لحاق بوثائقية، فهو غالباً يحلق مع الألم. أو يدور في مداره، ليخرج إلى أقصى درجات العزلة الفردية، التي لا تنفع معها يد تهدهد الروح. جروح ذاتية، وندب في الأنا، أكثر ما يمكن تصوره، حين تكتب هذه القصائد، من مثل علاقة منفصلة عن العالم الخارجي، الذي لا يستساغ بسهولة، ولا يمكن تفادي سطوته على مكنونات الصورة الشعرية.
السبت 2016/03/26
أنثى في متاهة الحب

تدخل الشاعرة اللبنانية رولا الحسين، القارىء في مناخ وحدتها، هناك، حيث ما من يد تمتد لتأخذها بعيداً، عن كآبة مديدة. ولأن الحسين اختارتْ أن تكتب في مجموعتها الشعرية “نحن الذين نخاف أيام الآحاد”(الصادرة أخيراً عن دار الجديد) سيرتها الذاتية، فالقصيدة التي تركت على فطريتها، تقول أشياء كاشفة، في العادة لا يجرؤ على قولها كل الشعراء، فكيف إن كنا نتحدث عن شاعرة امرأة، قد تستبق فعل الكتابة، بتخمين محاكمة المجتمع لها.

سيرة ويوميات

تبدو رولا الحسين، كشاعرة من نسيج بنيوي متفرد، إذ أنها تتحدث بتلقائية، قد يرتاب منها الرجال الآخرون. هكذا هي واضحة، في علاقتها مع الرجل، في القصيدة الذاتية. قد تفضل أن تظل معه، جالسة على كنبة صغيرة، دونما تهيّؤ، لفرضيات اللقاء الأول، والمغازلة، ثم التواعد، ويلحّ في كل القصائد هذا التساؤل: عن كيفية قضاء يوم الأحد؟ وكأنما كارثة آتية، معه؛ ماذا نفعل في هذا اليوم؟، فارغاً واسعاً بالوقت، وكاشفاً لما هو عليه حال الأشخاص في حياتهم.

وعلى الرغم، من الجمل الطويل الرشيقة، التي تستخدمها الشاعرة، في حديثها عن يومياتها إلا أنها أيضاً تلوذ إلى الاختزال والتكثيف، في بعض القصائد، فكما أن هناك رجلين في مساحة قلبها يتصارعان، مع رضى كلي منها، فهناك أيضاً، طريقتين لكتابة القصيدة. وفي القصيدة التي عنون، بها الكتاب تحديداً، “نحن الذين نخاف أيام الآحد”، نجد أن اللغة الشعرية مختلفة كلياً عن الوصف الشعري، السردي، في القصائد الأخرى، تقول “نحن الذين/ لانحدّق/ بعيون أحدهم/ طويلاً/ كي لا تهرب/ أرواحنا منا”. ليس هذا مجرد وصف شعري، إنها تتحدث عن نوعية من البشر، لا يتمكنون من النظر المباشر إلى الآخر، إنها سمات بشرية، لدى البعض، وهي واحدة من هؤلاء، الذين يندهشون من الخطوط البيضاء، على الطرقات السريعة، أيضاً.

قد يتسرب إلى القارىء تشتت ما، من أسلوب الشاعرة، وربما كان هذا لصيقاً، إلى حد بعيد، مع الحالة النفسية، وظروف كتابة النص. لكنه غبش صادق، وليس دالاً على ركاكة نصية، إلا أن تعاملاً هو على شاكلة هذا التعامل، مع القصيدة، يجعلها أمام ثغرة تبرير، عدم الاكتراث، الذي يلحق بالكلمات، من الواقع المعاش، إلى كتاب منشور.

شعر يجمع بين الطفولة والشهوانية والأحزان

في قصيدة “رسالة إلى لينا”، صديقة الهذيان اليومي، تقول الحسين “فلنبحث عن شارع آخر/ عن أرصفة وحانات جديدة/ عن شبان لم نتسكع معهم بعد/ ورجال لم نمارس وحدتنا معهم بعد/ لنذهب يا صديقتي حيث لا يعرف أحد عنا أي شيء”.

هذه الرغبة في البداية، من مكان مجهول، والمتوالية مع رغبة نسيان شيء ما، هي ثيمة لهشاشة داخلية، فمهما كان مختلفاً وصعباً، المتخلى عن تذكره، فاليقين بتأثيره وتضاعفه على الجسد والخلوة النفسية، هو الأمر المؤلم.

دعوة إلى التأمل

القصائد تدعو إلى تأملها، وربطها مع كتابي الشعر، اللذين أصدرتهما الشاعرة، سابقاً، لاسيما في كتابها “أتحرك فقط ليكنسوا الغبار تحتي”(دار الغاوون، ٢٠٠٩)، فهذه الرغبة بالمكوث وعدم التحرك، هي موجودة في القصائد الجديدة. فالحسين لا تريد مغادرة المنزل، هي إذاً، تعيش نقيضين من الرغبة، الرغبة الأولى هي في الحركة الهائلة والجنون المقترن مع اللذة. أما الرغبة الثانية فهي رغبتها بالتلاشي، والقيام باللافعل، أي انتظار محرك، أو حدث دراماتيكي يغير حياتها، رغم أنها تدعي أنها تريد تجربة عوالم جديدة، وتكاد تقترب من البوح عن تلك العوالم.

ذلك الصراع يظهر في قصيدة “صراحة” تقول الحسين “لم أكذب حين قلت لكَ/ سأحبك بجنون/ ولم أكذب حين قلت له سوف أحبه بجنون”، لابد أنه يكشف خدعة عميقة، تشبه تلك الخدعة التي يمارسها الكبار، حينما سؤال طفل صغير “من تحب أكثر، الأب أم الأم في حياتك؟”.

ورغم أن الإجابة المتوقعة هي أن الطفل يحب والديه معاً، لكن الخديعة حدثت، ووقعت بها الشاعرة، إذ أنها تخاطب الأول، ثم تتحدث بضمير الغائب عن الآخر، أي أنها تميز واحداً عن الآخر، ولابد أن ذلك مرده مخاضات هائلة عاشتها، في علاقتها الأولى مع الحب الطفولي، الأمومي والأبوي، وهل مازالت تعيش تلك الصراعات إلى اليوم؟ ومن هو الذي لا يتحرك إلا ليكنسوا الغبار من تحته؟، هو غالباً شخص، يعيش عجزاً جسدياً، لكن العجز هنا، هو عجز نفسي محض عن التحرك والفعل، ومن هم أولئك الذين يلاحقون الشاعرة في قصائدها، ليمنعوا عنها الرغبات الواسعة، والعزلة الفرحانة مع رجل متخيل، أو مع رجل موجود، واقعياً؟.

16