قصائد الشاعر عبدالرزاق حسين.. غربة عميقة للذات

الشاعر العراقي عبدالرزاق حسين ينتصر لتطلعات وأحلام المهمشين ساردا تمردهم على واقعهم، مستثمرا لغة بسيطة.
الجمعة 2020/05/29
سيرة شعرية رائدة

بغداد ـ يمثل إصدار المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر عبدالرزاق حسين، سجلا أدبيا مكثفا للحركة الشعرية الملتزمة في العراق حيث أسهم هذا الشاعر في صياغة رؤى وأفكار كانت شائعة لدى الشعراء العراقيين الذين وظفوا شعرهم لصالح المهمشين والفقراء والمنبوذين، وابتعدوا عن أجواء الهم الذاتي طيلة فترة الخمسينات من القرن العشرين والأعوام التي تلتها.

فالشاعر عبدالرزاق حسين من شعراء جيل الخمسينات، وشخصية أدبية فاعلة في الوسط الأدبي والثقافي وهو من أوائل المحررين الثقافيين في صحف البصرة ابتداء من عام 1953 ولغاية تقاعده عام 1976، كان مثالا للشاعر والأديب الذي أخلص لرسالة الأدب والشعر وعمد منذ ذلك التاريخ إلى تشجيع الأدباء البصريين شعراء وقصاصين ونقاد، بقراءته الجادة لنتاجاتهم ونشر الكثير منها في الصحف التي يشرف على صفحاتها الأدبية .

تضم الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر العراقي، 26 عملا شعريا صدرت منذ عام  1957ولغاية  عام 2018.

وتمثل قصائد حسين امتدادا لعمره الشعري، وهي تكشف تطور رؤاه الشعرية عبر مضامينه وكذلك تطور أشكال قصائده على امتداد هذا العمر الطويل.

صوت الآخر

تكشف القصائد الأولى للشاعر الصادرة عام 1957 نزوعه نحو عالم المهمشين والفقراء، ليصبح صوته، متماهيا مع حياتهم وصوتا يجسد بؤسهم، وينتصر لتطلعاتهم وأحلامهم، مستثمرا لغة بسيطة ، وصور ومشاهد يجسدها شخوص من عامة الناس ، يضعهم الشاعر في مواجهة شرسة مع واقعهم ليسرد تمردهم، ويكشف عن تساؤلاتهم.

من خصائص المرحلة الشعرية الأولى انها استثمرت القصائد الطويلة، التي بنيت على سرد أحداث من قارعة الطريق، عبر شخصيات شعبية تتصرف بردود فعل يضعها في مواجهة مع سلطة قاهرة ومجهولة، وفي هذه القصائد نتعرف على حكايات، وحوارات، وتداعيات في النفس، هدفها بناء عالم تحكمه التناقضات، تجاه هدف عادل.

في قصيدته الطويلة  "قاطع طريق 1957" يسرد تمرد رجل على جوعه وشروعه في قطع الطريق استجابة لنداء أطفاله الجوعى الذي يدفعه حتى إلى القتل من اجل سد جوعهم ،ويستثمر الشاعر ضمير الغائب في تاثيث خطابه، وينعطف به مخاطبا الذات بضمير الأنا متأملا ما وصل إليه حاله:

في العالم المسدود يقتتل الذئاب

بلا قوانين تهاب ...بلا حساب

في هذا العالم يتساءل قاطع الطريق عن مصير الآخرين الذين سيقتلهم :

من كان يدري إني سأحرمه التطلع للصباح

واصب في عينيه اوشال الزمان

وفي قصائده الأخرى يتجسد التزامه بعالم المهمشين والفقراء وكان يرى في تمردهم خلاصا لعذاباتهم.

غير ان انعطافة الحياة في العراق تجاه العسف ومصادرة حرية الإنسان بعد الانقلابات الدموية في منتصف الستينات، (عمقت الإحساس بالخيبة واللاجدوى، ومحت ما تبقى من خطوط الحلم الباهتة ...) كما جاء على لسانه وهو يصف بعض قصائد مجموعته الجديدة (أغاني مواسم الجفاف الصادر في 2010)، وإذا تأملنا هذه الجمل المركزة عن تجربة الشاعر في ديوانه هذا سنرى إنها تشير إلى حقيقة يعرفها معظم أدباء البصرة تتعلق بحياة هذا الشاعر وشعره.

فالشاعر عبدالرزاق حسين الذي كان شخصية أدبية فاعلة في الوسط الثقافي، عمد الى تشجيع العديد من الأدباء البصريين شعراء وقصاصين ونقاد.

أزمة الذات في أشعار عبدالرزاق حسين أزمة وجودية
أزمة الذات في أشعار عبدالرزاق حسين أزمة وجودية 

وفي هذا المجال يتذكر شعراء البصرة وقصاصوها ممن أصبحت أسماؤهم معروفة في نهاية ستينات وسبعينات القرن الماضي، كيف أسهم في بلورة وإنضاج تجاربهم الشعرية والقصصية وكيف كان سببا من أسباب شهرتهم وذيوع أسمائهم.

مناجاة الذات

يمثل ديوان "أغاني موسم الجفاف" أنموذجا لأسى الذات ومناجاتها بعد ان أتضح للشاعر، أن أحلامه باتت كوابيس ورؤاه الخضراء قد قطع عنها ماء الحياة.

لقد رأى  هذا الشاعر خطوط حلمه قد بهتت أو انمحت معمقة إحساسه بالخيبة واللاجدوى، إذ يرى وطنه الذي كرس له حياته، قد تسلط عليه المتطفلون والأنانيون الذين لا يرون إلا أنفسهم ويحصدون كل شئ لها ويبقى هو وبعض من رفاق دربه كالشراع:

يُنزَلُ الشراع

بعد أن يكون قد رفع

طيلة الرحلة

إن أزمة الذات في مجاميعه الشعرية هي  أزمة وجودية وليست أزمة فردية تعيش أحزانها وتتباكى على ضياع أحلامها، وما يؤكد ذلك صيغ استثمار الضمائر التي تعبر عن وجهة النظر في بعض جوانبها ، فضمير الأنا يكاد أن ينحسر عن معظم تلك القصائد ، فيما تتسيد الجمل الشعرية الاسمية في العديد منها المكثفة معلنة تشكل عالم بعلاقات قارة تحاول أفعال هذه الجمل أن تتمرد أو تتحرر من صيغة الثبات والجمود باتجاه الانفتاح على عالم جديد:

لو تكلمت الجبال

 ما وجد متعجرف فضاء لصراخه

وفي قصيدة أخرى:

عندما تهز الأرض كتفيها

تستبدل أسماءها المدن

ويصير الطغاة تحتها

فراعنة بلا أهرامات

ومن السمات الأخرى لهذه التجربة الوجودية اتجاه خطاب الذات نحو مفردات الطبيعة في بناء مجازاتها ولكسر حدة الشكوى والحزن الذي تبوخ به الذات من هذه المفردات: الريح، الجبل، الظلمة، البحر الصبح إضافة إلى مفردات ضائعة وسط هذا الجفاف المهيمن مثل: الحلم، الانتظار، الأماني، العزاء...الخ .

نغترف قصائده الجديدة من عالمين، عالم الطبيعة الذي يغذي الذات بعوامل الديمومة والبقاء، وعالم الذات الضاجة بعذاباتها، وتتراوح طراوة الجمل الشعرية بين هذين العالمين: فالجمل الشعرية التي تستثمر عالم الطبيعة تحمل الوعيد والتهديد كما رأينا، وأيضا تؤسس لأمل جديد وانفتاح على تجارب جديدة:

لا يضيق البحر

باتجاهات الأشرعة

أو

لتصغر كل الأشياء ...

ويكبر حد الرعد

صوت ...الوعد

وهناك أمثلة أخرى تعمد الذات فيها إلى التهديد بصيغ الأمر أو صيغ فعلية أخرى تتعكز عليها الذات الجريحة لتأسيس حكمة أو توجيه إنذار غير فاعل أو تشييد أمل ما .

أما عالم الذات فيضج بالمعاناة والانكسار وفقدان الأمل وتؤسس جمله الشعرية عالما من الحزن الشفيف ويتوسل الشاعر في تأثيث عالمه الشفيف هذا بجمل شعرية مشحونة بالعاطفة واللوعة :

غريب على باب داري ...أنا

آه يا وطنا ...لم يعد وطنا

ويبلغ اليأس حدا حين يضيع كل شئ:

لو نبيع الذي نرتديه... ونبقى عرايا

لن تصير المنايا

أماني

لن تصير القصيدة مجدا

إن قصائد الشاعر عبدالرزاق حسين تؤسس لغربة عميقة للذات التي ترى أن العطاء الذي بذلته الذات يتحول إلى جفاء وخشونة وإذلال وتصبح الدار التي أسهمت الذات في بنائها منفى طاردة وغربة إجبارية.